مجلة | هذا أنا This is me
ْ "نرحب بك بين رفوف الفكر وحرارة الحرف، ويسعدنا جداً أن يجمعنا بك هذا الفضاء الأدبي."
الخميس، 21 مايو 2026
الأربعاء، 20 مايو 2026
حوار مع الكاتبة الروائية المتميزة هبة زايد
مجلة | هذا أنا This is me
في عالمٍ تتداخل فيه جغرافيا الواقع بأساطير الخيال، وتتحول جبال السرد إلى ممالك تسكنها الحكايا، تأخذنا الروائية المتميزة هبة زايد في رحلة أدبية فريدة عبر سِلسلتها الشهيرة "ممالك الجبال".
وفي هذا اللقاء، نُبحر معها في كواليس مولودها الروائي الجديد "ريساڤا"، لنكشف أسرار تلك "الشرارة" الأولى التي تولدت من رحم المعاناة الإنسانية، ونتعرف على طقوسها في إدارة شخصياتها المتمردة، ورؤيتها الخاصّة لواقع الرواية والمبدعين الشباب.
لقاء خاص: الكاتبة هبة زايد تبحر بنا في "ممالك الجبال" وتكشف أسرار "ريساڤا"
المجلة: نرحب بالكاتبة الروائية المتميزة هبة زايد في هذا الحوار الخاص، لتحدثنا عن كواليس عملها الروائي الجديد وعالمها الأدبي.
شرارة البداية والكواليس
المجلة: ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" الأولى لرواية "ريساڤا"؟
هبة زايد: الرواية هي جزء من سلسلة "ممالك الجبال"، وقد صدرت ثلاثة أعداد قبلها. أما شرارة البداية فكانت القراءة عن حرب البوسنة والهرسك، وما تسببت به من آلام نفسية ومجتمعية عميقة.
المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
هبة زايد: نعم، أضع مخططاً. قد لا أسير عليه كاملاً أثناء الكتابة، ولكن لا بد أن أضع عدد الفصول، وأسماء كل فصل، واسم العمل نفسه قبل الشروع في كتابته؛ لأنني لا أستطيع البدء في الكتابة دون تثبيت اسم العمل.
الشخصيات والقضايا
المجلة: أي شخصية في روايتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية، وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
هبة زايد: شخصية "ميلينا" هي التي تشبهني إلى حدٍ ما في الشخصية. أما الشخصية الأكثر تمرداً فكانت شخصية "البروفيسور كيرال"، لأنه شخص لا يستمع إلا لنفسه.
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في هذا العمل؟
هبة زايد: قضية "الهوية"، إلى جانب بعض القضايا المجتمعية الأخرى بحسب أهميتها وسياقها في العمل.
المجلة: كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
هبة زايد: جعلت شخصية "عائشة" تسير على خطى أبيها كمستكشفة في الصحراء، وهو مجال قد يراه البعض لا يصلح لامرأة بمفردها، لكنها تميزت بالجرأة والشجاعة الفائقة.
طقوس الكتابة وما بعد النشر
المجلة: كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة" (قفشة الكاتب)، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
هبة زايد: إذا حدث انحباس لا أفعل شيئاً سوى القراءة؛ فالقراءة تجعل الأفكار تتسارع وتفتح للكاتب آفاقاً أخرى جديدة.
المجلة: بعد صدور الرواية، كيف تتعاملين مع النقد، وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
هبة زايد: أتقبل النقد البناء لأنه يصب في صالح العمل، وأحاول تفادي الأخطاء في الأعمال القادمة. ورؤية العمل مطبوعاً لا تغير نظرتي له، لأنني أؤمن أنه ليس هناك عمل كامل.
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
هبة زايد: أحياناً أظن هذا.
المجلة: من هو أكبر داعم لكِ في مسيرتكِ؟
هبة زايد: أمي.
رسائل ونصائح للشباب
المجلة: ما هي النصيحة التي تودين توجيهها لكل كاتب أو كاتبة شابة يخشى نشر عمله الأول؟
هبة زايد: اجتهد، وتعلم الكتابة وأدواتها، وإن رُفِضت مراراً وتكراراً فلا تيأس؛ فليس هناك كاتب قُبِل عمله من المرة الأولى.
المجلة: هناك شباب يملكون موهبة حقيقية في كتابة القصة والرواية، ولكنهم لم يتجرأوا حتى الآن على اتخاذ الخطوة، ماذا تقولين لهم؟
هبة زايد: أنصحهم بأن يعرضوا أعمالهم على قارئ واعٍ لديه القدرة على معرفة قيمة الأعمال ليقدم لهم نصيحة صادقة، أو على كاتب يثقون به، وهناك الكثير من الكتاب المستعدين لمساعدة الشباب في بداية طريقهم.
إضاءات من أرشيف الكاتبة هبة زايد
العمل الأول: زائر منتصف الليل
العمل الثاني: أكاكوس
العمل الثالث: سيفار الهوى
من رواية: زائر منتصف الليل
"حاولت بكل قوة إزاحة يده من على فمها، عضت إحدى يديه فأفلتها، جرت نحو باب المنزل لتخرج لكن أوقعتها حجارة ملقاة على الأرض، أعادت النظر خلفها والدموع تملأ عينيها فوجدت أباها معلقاً على الشجرة التي يجلس تحتها أورهان.
انفجرت في البكاء حزناً وخوفاً، وهي تظن أنه من قتل أباها، وظلت في مكانها دون حراك تسيل دموعها على وجنتيها. كانت إيليف تبحث عنها في كل مكان حتى وجدتها، فضمتها بقوة إلى صدرها محاولة تهدئتها، لكن سودة لم تهدأ، مثبتة عينيها الداميتين على أبيها.
أدارت إيليف وجهها فرأته معلقاً لكنها تجهل من هو، اقتربت من جسده المتدلي فوجدت ورقة في جيب بنطاله يظهر طرفها، أخرجتها وذهبت بها إلى سودة لتعطيها لها، فوجدت خلف سودة شخصاً يرتدي وشاحاً أسود وقناعاً أسود وله عينان حمراوان مخيفتان، وعلى رأسه قبعة سوداء."
من رواية: أكاكوس
"صراخ مفزع يشق سكون الليل تخشى منه النفوس، تهرع منه القلوب التي تهاب العتمة؛ لما قد يحدث هنا في جبال أكاكوس.. مملكة الجان على الأرض."
من رواية: سيفار الهوى
"قد نرى بأعيننا أموراً نظنها حقيقة، لكنها مجرد خيالاتٍ زائفة بفعل سحرٍ قام به ساحرٌ عليم بفنون السحر الأسود وغيرها من الأمور.
هناك كتبٌ كثيرة كُتِبت في السحر ليعلّموه للناس كي لا ينتهي أبد الدهر، ويظل الضرر قائماً رغم ظنك أنه انتهى؛ لكن إن اعتصمت بالله لا يضرك شيءٌ إلا بإذنه سبحانه وتعالى."
المجلة: نشكر الكاتبة المتميزة هبة زايد على هذا الحوار الشيق، ونتمنى لها مزيداً من الإبداع والتميز في مسيرتها الأدبية.
وفي ختام هذا اللقاء الممتع، لا يسعنا إلا أن نشكر الكاتبة المتألقة هبة زايد على هذا البوح الأدبي الشيق، وعلى مشاركتنا جزءاً من كواليس عالمها الساحر في "ممالك الجبال".
لقد أثبتت "ريساڤا" وأعمالها السابقة أن القلم الصادق قادر دائماً على ملامسة القضايا الإنسانية العميقة وتجاوز حدود المألوف.
نتمنى للكاتبة مزيداً من الإبداع والتميز، وفي انتظار ما ستجود به مخيلتها من عوالم روائية جديدة تأسر القلوب وتُثري المكتبة العربية.
مجلة | هذا أنا This is me
الثلاثاء، 19 مايو 2026
حوار مع الكاتبة دينا العزة
مجلة | هذا أنا This is me
في عالم الأدب، تولد الرواية من رحم المعاناة والتمرد، وتتحول الكلمات إلى مرآة تعكس خفايا المجتمع وتابوهاته المسكوت عنها.
واليوم، تُبحر بنا "المجلة" في غمار تجربة أدبية فريدة تمزج بين قسوة الواقع وعذوبة الخيال، لنحاور الكاتبة المتألقة دينا العزة.
في هذا الحوار الشيق، تفتح لنا الكاتبة قلبها لتتحدث عن "شرارة البداية"، وكيف تروض شخصياتها المتمردة، وموقفها من النقد والتحولات الرقمية، فضلاً عن رسالتها للمبدعين الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى على عتبات الحبر والورق.
المجلة: أهلاً بكِ معنا.
دينا العزة: أهلاً بكم
شرارة البداية
المجلة: ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" الأولى لكِ في عالم الكتابة؟
دينا العزة: ربما هناك صوت داخلي يتنبأ بأحداث قد نمر بها فيما بعد، لكنها تتجول في حنايا المستقبل بشراهة، لنجد أننا كتبنا أنفسنا بعد حين بتفاصيل لم نتوقع أنها حاضرة بهذه القوة.
وأحياناً مراقبتنا لمن حولنا وللأحداث التي تدور حول تفاصيل قد تستفزك أو تشعرك بالغموض الذي تحاول أن تأوّله، تجعل الكتابة نيراناً تحرقها ليصبح رماد الأسرار قوة للإبداع.
بين التخطيط والارتجال
المجلة: هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
دينا العزة: في الحقيقة، أفضّل التكنيك الذي تقودني به الفكرة إلى شخصيات تسرق من الكاتب حرية الاختيار ما بين التخطيط أو تركها للأحداث؛ فالموهبة الحقيقية تقودك دائماً، لكن لا غنى عن وضع خطة لكل شخصية وترتيب رؤوس أقلام عما تحمل من تفاصيل.
ملامح الشخصيات والتمرد
المجلة: أي شخصية في روايتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية، وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
دينا العزة: ربما إن أردت ربط بطلة الرواية (داليدا) -والذي يعني اسمها المرأة القوية الناعمة، ويظهر طبيعتها وقوتها- بشخصيتي، فلأنها خطفت الضوء من أول مدخل الرواية الذي كتبته بما يسبق أي حدث ارتبط بتفاصيل الرواية بما يقرب من الستة أشهر، كالعزلة الموبوءة، وكذبة نيسان، والجنازة.
أما بما يخص الشق المرتبط بالتمرد، فكل الشخصيات بها جانب من التمرد، خاصة عندما يكون حدث الرواية مليئاً بالتابوهات، وهنا تكمن قوة الكاتب في ترويض الفكرة والشخصية بسياق يخدم الرواية.
"داليدا"
"أخذها على محمل الحب فوق سحاب بصرهما، وافترشا من نبضهما رمل محبة، أمعن في تفاصيل وجهها الناضج، فوجد شمسه تشرق من حدقتيها النباتيتين، ثم أغمض عينه فمسحت على حلمه بشعرها المكتنز بالتوت، يختمر معه الطيف ليلد قبلة شغف على ساعديه، غامر معها بالحياة فأصبح يقامر بها، رفع منسوب جلدها بعد لياليه الراقصة على نغم حبها، ثارت..
فنَزَقُ الروح ثوّارٌ قامت قيامة قبابهم، ومآذن حناجرهم هجرت صداها، ما عاد للحب سلامٌ ولا الأم بقيت كسابق عهدها حضارة، ما عاد لطفلة أن تلهو بجديلة براءتها ولا النوارس فوق الغروب تُحلّق، فربما القيامة..
رجل ترتعش به أهوال الحياة فيقع القدر بشباكه على فريسة سعادته، تنتصر المصيدة ويفتح قبر الأمل صارخة آهات القهر فوق شاهده، فتنجو.. امرأة."
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في هذا العمل؟
دينا العزة: في الحقيقة، كانت هناك الكثير من التابوهات المغلقة رغم انتشارها بين المجتمعات، كزنا المحارم، وعبّاد الشيطان، والأمراض النفسية الخفية وما يؤول عنها من تدمير مجتمعي، والسحر. وبالمقابل، كانت قضايا الإيمان والحكمة والصبر والحب الذي يزرع الصحراء بساتين أمل، تجعل الحياة مشهداً آخر يوازن الرواية ويجعلها -رغم قسوة ما تمّ كتابته- قريبة للذات وأقرب للواقع، وتحمل رسائل تداوي ما قد سممته الأحداث.
ما بعد النشر وقبول النقد
المجلة: بعد صدور الرواية، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
دينا العزة: الحقيقة أن كل شيء وُجد للانتقاد هو حافز، وقد تكون وجهات نظر؛ فلكل شخص عين مختلفة في قراءة ما يحدث، وهذا عموماً ينطبق على الرواية أيضاً؛ فكل انتقاد يعني تحفيزاً جديداً لقدراتك، لرؤياك، ولأسلوبك. لكن علينا توخي الحذر بأن لا يصبح الانتقاد على المستوى الشخصي ويتعامل الكاتب من هذا المنطلق، بل عليه الثبات والاستماع جيداً لكل ما يقال ليبني أساساً متيناً آخر في عمل جديد.
صورة المرأة في الأدب
المجلة: كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
دينا العزة: المرأة خُلقت لتربّت على قسوة هذا المجتمع، ولكن هناك فرق بين أن تكون المرأة مُستغلّة في عاطفتها وصبرها وتوضع على الهامش رغم حاجة المجتمع لها، وبين امرأة تتسم بكامل صفاتها التي خُلقت بها ولها ولكن تقيم حدود حقوقها وواجباتها وتوقف استنزافها بحكمة.
ثق تماماً أن المرأة التي تتمرد (إن أسميناه تمرداً) مع اتسامها بالحكمة والقوة والتصالح الذاتي هي من تستطيع قلب المعادلة من الخسارة إلى الانتصار رغم ما ستخسره أثناء معركتها.
وهنا المعركة لا تعني خصومة مطلقة وتجريحاً أو إثباتاً للوجود -فكيف لك أن تحارب من تحب أو عائلتك.. إلخ؟!- بل تأتي المعركة هنا للاحتواء والقدرة على التعامل في أصعب المواقف، وإيجاد حل مرضٍ للطرفين.. فالتوازن هو نبض الحياة.
تجاوز عقبات "انحباس الكتابة"
المجلة: كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة" (قفصة الكاتب)، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
دينا العزة: الهدوء وإعطاء مساحة للخروج من العصف الذهني يجعل التجدد سبيلاً آخر للإبداع والتغلب على هذه المشاكل.
أنا أجد نفسي وسط الضغوط أكتب أفضل ما عندي؛ وأذكر أن أول فصل في "داليدا" كتبته وسط زحام عمل، حيث كنت مديرة إدارية آنذاك، وهذا تحدٍّ آخر أحبه في نفسي، فكل كاتب له طبيعة وفكرة في كيفية خلق طقس للإلهام.
الدعم والمشجع الأول
المجلة: مَن أكبر داعم لكِ؟
دينا العزة: نفسي.. ثم نفسي.. ثم نفسي. إيماني بأن قلمي يستحق أن أدعمه، وهذا لا يعني أن أُسقط دعم عائلتي وبعض المقربين.
رسائل ونصائح للمبدعين
المجلة: ما هي النصيحة التي تودين توجيهها لكل كاتبة شابة تخشى نشر عملها الأول؟
دينا العزة: الحياة تجربة، وما عليكِ سوى أن تُقدمي.
المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية، ولكنهم لم يجرؤوا إلى الآن على اتخاذ هذه الخطوة، ماذا تقولين لهم؟
دينا العزة: دع قلبك وحواسك تخبرك كيف تنتفض لموهبتك، كن كما تريد، فخوض تجربتك الخاصة له متعة مختلفة عند الوصول.
بريق الرواية الورقية
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
دينا العزة: على العكس، الكثير ممن أعرفهم يستمتعون بملمس الورق، وخوض طقس آخر بالنظر إلى كل حرف.
لا يمكن أن يفقد الورق بريقه، فالتاريخ كلما مرّ عليه الزمن زاد ثمناً وأهمية، وكذلك الورق.
"رسائل مبحوحة"
"كيف لأعصابكِ أن تمسك بجيدها وتهزّ الصبر ليسقط بي ندى الصباح، كجورية على ثغر وسادتي تهمس بنبض وريدك الخائف من ردّة الليل."
في ختام هذا اللقاء الممتع، ندرك أن الكتابة ليست مجرد كلمات تُسطر على الورق، بل هي رحلة شاقة وشجاعة تقودها الحكمة وتغذيها الموهبة الحقيقية. كل الشكر للكاتبة المبدعة دينا العزة على هذا الحوار الشفاف والملهم، وعلى جرأتها في الغوص بأعماق الواقع الإنساني وإعادة صياغته بروح أدبية متوازنة.
وتبقى كتاباتها -كما ذكرت- رسائل تداوي وتزرع في صحراء الأيام بساتين من الأمل.
إلى لقاء آخر مع مبدع متجدد، وقلم ينبض بالبناء والإبداع.
مجلة | هذا أنا This is me
الاثنين، 18 مايو 2026
حوار مع الشاعرة مسعودة القاسمي
مجلة | هذا أنا This is me
في عالمٍ تتشابك فيه الألوان بالكلمات، وتتحول العواطف فيه إلى لوحاتٍ وقصائد، نستضيف اليوم قامة إبداعية جمعت بين سحر الفنون التشكيلية وعذوبة الحرف الشعري.
هي باحثة في الوعي والتراث، ومُبحرة في عوالم الكلمة الصادقة، تعيد صياغة السكون عواصفَ، وتمنح الصمت قوافي نابضة بالبوح والإنسانية.
يسعدنا في مجلة "هذا أنا" أن نلتقي بالشاعرة والإعلامية التونسية المتميزة مسعودة القاسمي، لنبحر معها في تفاصيل تجربتها الإبداعية، ونستكشف الأسرار والخبايا الكامنة وراء نصوصها الأدبية الراقية.
نبذة عن الضيفة
الاسم: الشاعرة مسعودة القاسمي (تونس)
المؤهل العلمي: أستاذة تعليم ثانوي فنون تشكيلية، وماجستير في السياحة والتراث (2024).
الخبرات المهنية:
مدربة دولية معتمدة من عدة جهات دولية.
متحصلة على دورات في التنشيط الإذاعي والتلفزيوني من عدة جهات (منها: سكون أكاديمي، وD&B للإعلام).
مقدمة برامج على راديو ويب، وباحثة في الوعي.
الإصدارات الأدبية:
ديوان مشترك بعنوان: "صمت القوافي".
ديوان فردي بعنوان: "عواصف السكون".
النشاط الصحفي: ناشرة بعدة صحف محلية ودولية كشاعرة وناقدة وكاتبة للقصة القصيرة. اشتغلت كمديرة مكتب لجريدة "اللواء العربي" بتونس، وجريدة "الجسر"، و"نبض العرب"، وغيرها من الصحف الورقية والإلكترونية.
المجلة: بين الموهبة الفطرية والدراسة الصارمة، أين تجد مسعودة القاسمي نفسها؟
مسعودة القاسمي: أجد نفسي في المسافة بين الاثنين؛ فالموهبة كانت الشرارة الأولى، لكن الدراسة والانضباط هما ما منحا تلك الشرارة شكلها، وعلّماني كيف تتحول العاطفة إلى قصيدة.
المجلة: هل للقصيدة عندك "موعد مقدّس"؟ أم أنها كائن متمرد يباغتك في أكثر الأوقات غرابة؟
مسعودة القاسمي: القصيدة عندي لا تعترف بالمواعيد… تأتي حين تشاء، وفي أكثر اللحظات غير المتوقعة، وكل ما أملكه هو أن أكون مستعدةً لاستقبالها.
المجلة: يقال إن القصيدة تبدأ بـ "دفقة شعورية" وتنتهي بـ "صناعة باردة"، كيف تمارسِين عملية التنقيح والحذف في نصوصك؟
مسعودة القاسمي: أترك القصيدة تشتعل أولاً، ثم أعود إليها بعين أكثر هدوءاً… أحذف ما يشرح كثيراً، وأُبقي فقط ما ينبض.
المجلة: هل تكتبين للناس ليفهموكِ، أم تكتبين لتفهمي نفسكِ بشكل أفضل؟
مسعودة القاسمي: أكتب أولاً لأفهم نفسي، وحين تكون الكتابة صادقة بما يكفي… يجد الناس أنفسهم فيها.
المجلة: ما هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين "الغموض المحبب" في شعرك وبين "الإلغاز" الذي قد يبعد القارئ؟
مسعودة القاسمي: الخيط رفيع فعلاً؛ فالغموض يفتح باب التأويل، أما الإلغاز فيغلق باب التواصل… وأنا أحاول دائماً أن أترك للقارئ نافذة، لا متاهة.
المجلة: إلى أي حد تعتقدين أن الشاعر لا يزال "لسان حال الأمة" في عصر التكنولوجيا والسرعة؟
مسعودة القاسمي: ما زال الشاعر يحمل صوت الإنسان، حتى وإن تغيّرت المنابر… فالأمة اليوم قد لا تبحث عمن يتحدث باسمها فقط، بل عمّن يعبّر بصدق عمّا تعجز عن قوله.
المجلة: كيف توازنِين في قصائدك بين الهمّ الذاتي (الأنا) وبين القضايا الإنسانية والوطنية الكبرى؟
مسعودة القاسمي: أؤمن أن الذات هي بوابة العالم… فكلما كتبتُ ألمي وقلقي بصدق، وجدتُ فيهما الإنسان والوطن بصورة أعمق وأصدق.
المجلة: متى شعرتِ للمرة الأولى أن الكلمات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت أداة للرسم والبوح؟
مسعودة القاسمي: ربما منذ اللحظة التي اكتشفتُ فيها أن بعض المشاعر لا تُقال… بل تُكتب، وأن الكلمات تستطيع أن ترى وتبكي مثلنا.
المجلة: هل تشعرين أن قصيدة النثر سحبت البساط من الشعر العمودي والتفعيلة، أم أن "الوزن" يظل هو نبض القلب الشعري؟
مسعودة القاسمي: أرى أن الشعر لا يُقاس بالشكل وحده… فقصيدة النثر وسّعت مساحة التعبير، لكن الوزن سيظل، بالنسبة لكثيرين، نبضاً قديماً لا يفقد سحره.
المجلة: ما هي القصيدة التي تمنيتِ لو أنكِ أنتِ من كتبتها؟
مسعودة القاسمي: هناك قصائد نقرأها فنشعر أنها سبقتنا إلى ما كنا نريد قوله… وربما أجملها تلك التي تجعلني أغار منها أكثر مما أُعجب بها.
المجلة: من هو "الملهم الأول" الذي فتح لكِ أبواب القصيدة؟ وهل تذكرين أول بيت شعر هزّ كيانكِ؟
مسعودة القاسمي: كان الملهم الأول غالباً صوتاً قبل أن يكون اسماً… معلماً، أو كتاباً، أو قصيدةً سكنتني مبكراً. وما زلت أذكر منذ صغري أبياتاً هزّتني لأنها لم تُخاطب أذني فقط… بل شيئاً أعمق في داخلي.
المجلة: إذا طُلب منكِ اختصار مسيرتك الإبداعية في "بيت شعر" واحد، فماذا سيكون؟
مسعودة القاسمي: كَتَبْتُ لأَبْحَثَ عَنِّي بَيْنَ سُطُورِ العُمْرِ
فَاكْتَشَفْتُ أَنَّ الطَّرِيقَ هُوَ القَصِيدَةُ.
المجلة: ما هو المشروع الشعري الذي لا يزال يسكن مسوداتكِ ولم يخرج للنور بعد؟
مسعودة القاسمي: هناك دائماً قصيدة أكبر منّا لم تكتمل بعد… مشروع يحمل خلاصة العمر والأسئلة، وما زال ينتظر لحظته الصادقة ليولد كما يجب.
من أعمال الشاعرة قصيدة: الحلم
سَأَلَتْوَفِي بَرَاءَةِ السُّؤَالِأَنَا...
طِفْلَةٌ لَمْ تَقُلْ يَوْماً لِلْحِبْرِ: لَا...طِفْلَةٌ مَشَتْ حَافِيَةَ القَدَمَيْنِ...
تَغْسِلُ بِالطِّينِ دَمْعَةً لَمْ تُرَ... (تصحيح: لَمْ تَرَ)
كَانَ دَائِماً سُؤَالُهَا:لِمَاذَا يَا أَبَتِي أُحَلِّقُ بِأَحْلَامِيوَلَا أَرَى مِنْهَا إِلَّا مَا تَرَى؟
يَسْرِي الحِبْرُ الأَسْوَدُ فِي الثَّرَىتَكُونُ الطِّفْلَةُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ الحُلْمِ...تُمْسِكُ بِتَلَابِيبِ الوُعُودِالوَعْد تِلْو الوَعْدِتَسْأَلُ مِنْ جَدِيدٍ نَفْسَ السُّؤَالِ
........
يَنْهَضُ الحُلْمُ أَعْرَجَ بِلَا مُتَّكَأٍيَشْتَهِي البُكَاءَيُمَزِّقُهُ طُولُ الأَمَلِيَغْفُو مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِيُفَتِّشُ عَنْ أُسْطُورَةٍمِنْ حِكَايَاتِ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍفَفِي الحِكَايَا سَلْوَاهُوَمَا يَشْتَهِي دُونَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: لَا...
لَمْ تَعُدِ الطِّفْلَةُ تَبْحَثُ عَنْ حَرَارَةِ اللِّقَاءِوَلَا عَنْ جَوَابٍ مَرَّ بِالقُرْبِ مِنْ هُنَا...وَلَا عَنْ عَيْنٍ بِهَا تُرَى
وَلَمْ تَعُدْ تَشْتَكِي حَظَّ القَصِيدَةِ الأُولَى العَنِيدَةِلَمْ يَعُدْ لَهَا أَيُّ مَعْنَىوَضَعَتْهَا كَدُمْيَةٍ لَا تَصْلُحُ لِلَّعِبِبِإِحْدَى الرُّفُوفِ المَنْسِيَّةِ.
كُلُّ الفَوَانِيسِ مُنْطَفِئَةٌفَمَنْ يُنِيرُ عَتْمَتَهَا؟
الحُلْمُ؟
انْتَفَضَ فَجْأَةً وَقَالَ:
أَيُّهَا الفَانُوسُ مَتَى تَقُولُ لِلظُّلْمَةِ: لَا؟وَتُشْعِلُ مَا تَبَقَّى مِنَ الأَحْرُفِ المُضَرَّجَةِ بِالأَسَى
وَتَقُولُ الأَحْلَامُ لِعُنُوسَتِهَا:وَدَاعاً.. وَدَاعاً..
هَا قَدْ حَانَ اللِّقَاءُ.
وفي ختام هذا الإبحار العميق في عوالم الشاعرة المبدعة مسعودة القاسمي، ندرك أن القصيدة عندها ليست مجرد حبر على ورق، بل هي مرآة للذات، ونبض للوطن، وفانوس يتحدى عتمة الوعود بالكلمة الصادقة واللوحة المعبّرة.
تتقدم مجلة "هذا أنا" بخالص الشكر والتقدير لضيفتنا العزيزة على هذا البوح الراقي والوقت الممتع، متمنين لها مزيداً من التألق والإبداع في سماء الأدب العربي، ولتظل كلماتها دائماً جسراً يربط بين الوعي والجمال.
مجلة | هذا أنا This is me
الأحد، 17 مايو 2026
مقال للكاتبة نبيلة علي متوج
مجلة | هذا أنا This is me
الشباب.. طاقة وإبداع
الشباب هم طاقة الأمة ومحرك التغيير؛ وإظهار مواهبهم وتسليط الضوء عليها ليس مجرد هواية، بل هو طريق لإثبات الذات، والسير في درب التألق وتحقيق الطموحات.
فما فائدة الجمرة المتلظية تحت الرماد إن لم تمنح النور والدفء؟ وما فائدة إبداعاتكم إن بقيت حبيسة الأدراج؟
فيا أيها الشباب الواعي، شارك إبداعك مع العالم، وافتح نوافذك على مصراعيها، وأطلق العنان لقدراتك نحو التميز والإبداع.
💡 الطاقة الكامنة والمفاتيح الحقيقية للنجاح
نحن الشباب، في أعماق كل منا طاقة كامنة وموهبة فريدة تتوق للظهور، وتنتظر من يكتشفها ويطلق لها العنان لتحلق في فضاءات الجمال. قد تكون هذه الموهبة في:الآداب والفنون: كالأدب، والشعر، أو الرسم، والتصميم، والغناء.
التكنولوجيا والعلوم: كالبرمجة والابتكار.
إن اكتشاف هذه المهارات هو المفتاح الحقيقي للنجاح والصعود إلى القمم.
🤝 بناء الثقة بالذات والأثر المجتمعي
في إظهار مواهبنا بناءٌ حقيقي لثقتنا بأنفسنا؛ فحين نشارك إبداعنا ونرى التقدير من المحيطين بنا ومن مجتمعنا، ستتضاعف ثقتنا بأنفسنا ويزداد إصرارنا على النجاح والعطاء.
🌐 الإبداع في عصر الثورة الرقمية
نحن نعيش في عالم التطور والثورة الرقمية، ولم يعد الانتظار مجدياً؛ فالإنترنت اليوم يفتح أبواب الشهرة، والمعرفة، وتحقيق الذات، وهذا ما يمنحنا سلاماً داخلياً.
وحتى نحقق ذلك، يجب علينا:
الإيمان بالقدرات: أن نؤمن بأنفسنا ولا نخشى الفشل.
البداية الشجاعة: فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وكل العظماء بدأوا بخطوات صغيرة ثم تسلقوا سلالم المجد والشهرة.
الصقل والتدريب: الموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى الصقل والمتابعة والتدريب المستمر عبر حضور الدورات والمطالعة وقراءة كل جديد.
استغلال التكنولوجيا: استخدام المنصات الرقمية لتوفير الشهرة والوصول إلى جمهور أكبر.
🚀 نداء إلى كل شاب وشابة
أيها الشاب.. أيتها الشابة.. لا تنتظروا الفرص بل اسعوا فوراً، وأطلقوا أجنحتكم للريح.. حلقوا في سماء النجاح والشهرة..
هذا أنا...
✍️ بقلم: نبيلة علي متوج / سورية
مجلة | هذا أنا This is me
حوار مع الكاتبة والروائية نهلة الهبيان
مجلة | هذا أنا This is me
تطل علينا اليوم الأديبة والروائية المتميزة "نهلة فوزي الهبيان"، في حوار يغوص في أعماق الكلمة، ويفتش عن شرارة الإبداع الأولى.
هي صاحبة قلم يمزج بين الوجدان وقضايا الواقع الشائكة، استطاعت عبر ثنائية التخطيط والارتجال أن تبني عوالم روائية لافتة، من "الأخيذة" إلى "يتيهون فيها"، وصولاً إلى "السيد طيف". نلتقي بها اليوم لنبحر في طقوس كتابتها، ونقترب أكثر من ملامح شخصياتها المتمردة.
نهلة الهبيان: أهلاً بكم وبقرّاء "المجلة" الأعزاء. يسعدني جداً هذا اللقاء، وتسرني هذه المحاورة التي تنبش في تفاصيل الحرف وكواليس الكتابة.
فالكتابة بالنسبة لي ليست مجرد حبر على ورق، بل هي رحلة بحث مستمرة عن الأثر والامتداد، ومحاولة جادة لملامسة قضايا مجتمعنا وتجسيد مشاعره.
أتمنى أن يكون حوارنا هذا نافذة ممتعة تليق بشغف القارئ العربي.
المجلة: شرارة البداية؛ ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" لمسيرتكِ الروائية؟
نهلة الهبيان: كانت البداية، أو بالأحرى لِنَقُل: العودة الجادّة إلى الكتابة بعد انقطاع دام لِسنوات؛ كنتُ قبلها أكتب في دفاتري وأوراقي وبين زملاء الجامعةِ وأساتذتي، حتى كانت العودة في عام 2017 عبر منصّات التواصل الاجتماعي.
وكان لوجود قارئٍ محبٍّ لحرفي، مُشجِّعٍ له، بل ومُنتظِرٍ لما أكتب، أثرٌ كبير في تغيير نظرتي إلى الكتابة؛ إذ لم تعد بالنسبة لي مجرّد متعة ذاتية أدوّن من خلالها نصًّا وجدانيًّا بديعًا فحسب، بل أصبحت أتطلّع إلى ما هو أطول عمرًا وأبقى أثرًا.
رواية (الأخيذة: قضية رأي عام)
"أكره قوتك الزائفة إذ تقابلني بها، تعرج منك إليّ حتى تخفت ثم تندثر؛ وإن توشحت بوشاح الضجة المصطنعة والسلطة المسؤولة؛ ففي قلبك الشوق يغزوك يوهنك فيّ ليقتلك.
أكرهني لأني لم أرَ اكتمال العشق إلا معك، لم أستلذ بمدارات الموجودات من حولي -رغم بعدك وبعدي- إلا لأنها تجود عليّ بك وتضيعني فيك. كنت أظنه ذات حلم على سنام العاجية عشقًا أفلاطونيًا لا يحدث هنا بين مدائن الذنوب والمعاصي، بين صراعات النفوس، وقذائف القدر.
أكره ثباتك الواهي، وأنا المتشبثة بأضلعك أن تحرك.. انطق.. قل لي كيف تبدو هكذا قوياً، متماسكاً، صلباً، صلداً، وأنا التي اجتمع عليها الحرق والغرق وكل صنوف الألم؟!أكره ثرثرتي التي لم تخلق إلا في لقاءاتي معك في عهدنا الأول، ومع الغير كنتُ الخرساء البكماء التي لا تصلح لمخالطة البشر.
أكره صمتك الضافي الذي دائماً ما كان يوخزني على استحياء أن أوجزي في الكلام، أو فلتصمتي، وتدعي الأعين تتبادل السلام حباً.
أكره صمتي الآن الذي يضج بك، يقارنك بين ما كنتَ والحال، بين لهفات الماضي الطفولية، وصلابة الحاضر الرجولية، بين شغف حضورك الذي أستشعره رغماً عني، ورتابته الفعلية. كرهت المقارنات التي يميد ذهني تحت أقدامها كلما صمتُّ؛ أعلمتَ لماذا كل هذا الصخب؟!"
المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
نهلة الهبيان: ليس مخططًا دقيقًا، وإنما يكون هناك تصور عام للأحداث الرئيسة التي تدور حولها فكرة الرواية، وخلال الكتابة تتولد أحداث فرعية تسهم في خدمة البناء الرئيسي للعمل وتصعيده، وكذلك تعميق الفكرة.
المجلة: أي شخصية في رواياتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية؟ وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
نهلة الهبيان: يمكنني أن أقول إنني في شخصية “وفاء” كابنةٍ مع أمّها، قد تركتُ فيها بعضًا مني حين نقلتُ مشاعر الاغتراب عن الأهل. وأيضًا، فإن أمومة “وفاء” لابنتيها تحمل كثيرًا من أمومتي أنا.
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في أعمالكِ؟
نهلة الهبيان: الحقيقة، ولأن الحديث هنا عن الأعمال الروائية، فقد تناولتُ قضيتين مجتمعيتين مهمتين من وجهة نظري:
الأولى: قضية الاتجار بالإناث، وذلك في رواية "الأخيذة: قضية رأي عام"، وهي قضية شائكة وحساسة.
الثانية: أثر ثورات الربيع العربي على الأسرة، وقد تناولتها في رواية "يتيهون فيها".
من رواية (يتيهون فيها)
"هاه، مالك تنظر إليّ مغتاظاً؟
لا بأس، ألم أقل لكَ لا تستمع إلى ترهات رجل مثلي أدرك بعد كل هذه الإنجازات -التي يلقبونها على سبيل الشفقة بالعظيمة- أن العالم كله طاهر الذيل، نظيف اليد، الكل أخيار طيبون وأنا الشرير الوحيد الذي أنجبته أمه فيه على سبيل الخطأ؛ فلوّثه؟!
أنزل يدك ولا تلوح لي هكذا، ألم أقل لك من قبل لا تحاول دحض أقوالي باستدلالات معتوهة وإن رأيت الكلمات من فمي متناثرة يصبغها الأحمر تُشهد الجدران الكفران؟ لا توقفها، دعها وطرائقها المتشعبة في كل اتجاه، دع الكلم الفاسد يخرج من جوفي لربما أتطهر من رجس القيم ووهم مبادئ القابضين على رقبتي من يوم أن هددتني أمي وتحذيرها تنطقه حمرة عينيها قبل الصوت الصارم: "لو اعوججت ستخبرني رائحة قبلتك على يدي".
عاهدتني أن أعيش حياتي محافظاً على نظافة فمي مهما كلفني التأدب من رمق المسفهين وتندرهم، المهم ألا تحرمني البشارة بعد كل قبلة تطمئنني أني على الخط المستقيم لم أنحرف.
لربما معضلتك أن أمك لم تقل لك شيئاً، وتركتك تمضي كيف شئت، لكن أيّاً يكن سيبقى الاستفهام الملعون قادراً على سحب غيره إليّ، قل لي أولاً كيف لنا أن نلتقي هنا أيضاً ألم نفترق منذ شهور؟! كيف.. كيف؟"
المجلة: ما بعد النشر؛ بعد صدور الرواية، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
نهلة الهبيان: بالتأكيد، بعد النشر يصبح العمل ملكًا لقارئه، وككاتبة أظل مترقّبة ردود القراء، خاصة في الفترات الأولى من صدور العمل. ومع مرور الوقت يهدأ ذلك الترقب، لا سيما حين أشرع بالتفكير في عملٍ جديد.
أمّا النقد؛ فهو حقٌّ مكفول لمن يقرأ، خصوصًا إذا كان موضوعيًّا في طرحه، يعرض العيوب كما يعرض المميّزات.
المجلة: صورة المرأة؛ كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
نهلة الهبيان: أنا أبني الشخصية المنوط بها أداء دورٍ معيّن في الرواية بعيدًا عن أي قوالب جاهزة؛ فنحن نُسيّر الشخصية وفق الفكرة، لا نُسيّر الفكرة وفق الشخصية، وهذا كلّ ما في الأمر.
المجلة: من هو أكبر داعم لكِ في مسيرتكِ الأدبية؟
نهلة الهبيان: الحقيقة أن أكبر الداعمين لي هم ( زوجي، وأبنائي )، وصديقاتي الخُلص، وأحمد الله كثيراً على نعمة وجودهم في حياتي.
المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية، ولكنهم لم يجرؤوا حتى الآن على اتخاذ هذه الخطوة، ماذا تقولين لهم؟ وما هي نصيحتكِ لكل كاتبة شابة تخشى نشر عملها الأول؟
نهلة الهبيان: الرواية والقصة لهما أسس وقواعد، وطالما لديك الموهبة واطلعت على الأسس والقواعد؛ فخض التجربة واستمتع بصناعة عالم جديد تكون أنت المحرك لأبطاله وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه. لا شك أن الكتابة متعة، ولكن لمن لا يبالي بأي أعين تراقبه.
وطالما لديك الموهبة، ولديك المنتج الذي يشهد لك على إبداعك؛ فتوكّل على الله وانشر عملك، لكن لا تبخس حقك، ولا تنتظر كثيرًا من سوق النشر.
لا تبخس حقك بالنشر مع دورٍ لا أصل لها ولا ثقة، ولا تنتظر الكثير كأن تبيع آلاف النسخ مثلًا؛ فالسوق مليء بالمواهب والمبدعين. فاكتب لأنك تحب الكتابة، وانشر لتؤكد لنفسك أنك تستطيع أن تلمس إبداعك.
المجلة: تجاوز العقبات؛ كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة"، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
نهلة الهبيان: أقرأ.. لا أستطيع أن أعود إلى الكتابة بعد ما يُسمّى بـ "حبسة الكتابة" إلا بعد فترات طويلة من القراءة. وحتى حين أعود، لا تكون العودة قوية؛ أكون كمن "يشخبط": كلمات هنا وكلمات هناك، كأنني أحاول تجميع روحي بعد أن تفرّقت في الأرض، لتعاود التحليق من جديد فوق الأوراق.
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
نهلة الهبيان: لا، لم يزل لها بريقها عند الشغوفين بالكاتب نفسه وليس بالعمل فقط.
من رواية (السيد طيف)
"الأمر يزداد سوءاً، هذا الفيروس يقتات على رئاتِ النّاس، إنه يحصدهم ولا رادعَ له، أعدادُ الوفيّات في ارتفاعٍ مستمرّ، المستشفيات لا يوجد بها أسرّة، أنكمشُ على نفسي وأضمّ إليَّ صِغاري، أخافُ أن يُحال بيني وبينهم في أيّ لحظة، مجرّد التفكير في هذا الاحتمال يُشعل قلبي، ثم ما ألبث أن أتذكّر أن لي رباً لطيفاً بعباده، فأهدأ ويبيد خوفي، وأمارسُ يومي داخل البيت دون خوفٍ وبلا ترقب.
المناداة بحتميّةِ التزامِ البيوت لا تكفّ ليلَ نهار على كافّة وسائلِ الإعلامِ ووسائلِ التّواصل، أسمع مناداتهم، وأقول: لقد اعتزلتُ من قبل الكورونا، اعتزلت الكثير جداً من العلاقات؛ لأدركني قبل أن أضيع في الناس، واليوم كلّ الناس مأمورون بألّا يضيعوا في بعضهم البعض؛ ففي ذلك فناؤهم الذي قضى عليهم به الكوفيد.
أتعلم يا طيف، رغم كلّ هذا الذعر الذي تمتلئ به الحياة، هناك من يأخذُ بالأسباب وقلبه مطمئن بما يمكن أن يلاقيه ويواجهَه، سمعتها من عجوزٍ التقيته في الطّريق، يحدّث نفسه بها بصوتٍ مسموع، كأنما يصبها على مصيرها...
«هذا الوباء جندٌ من جنودِ الله، آتٍ بكشفِ أسماء، ليقبض أرواحهم، فإذا ما انتهى الكَشف، انتهى الوباء وعادت الحياة لمن قُدّرت لهم الحياة، ويا عالم ساعتها بأيّ كشفٍ يكون اسمي»، ثم علا صوته ليُسمعَ من بعيدٍ قائلاً: «خذوا بالأسباب يا ولاد وتوكّلوا على الله واسعوا على لقمةِ العيش، الدنيا صعبة والحِمل ثقيل». غمتني كلماته، بعدما كنت حريصةً على السّماع، أسرعت الخطى حتى تفاديته يا طيف.
صدّقني، لولا الإيمان لتطايرَ الناس من فرطِ هشاشتهم أمام ما يواجهون، ولو كان هذا الذي يواجهونه دواخلهم المُتشابكة معهم في معارك لا انتهاء لها ولا ظفر حقيقيّ فيها يتلمّسونه بأيديهم وأبصارهم؛ لذلك آمنت بكلّ ما يُمكنه أن يحقّقَ لي هذا الظّفر المرجوّة منه نجاة الدّنيا والآخرة، كما آمنت بحقيقةِ غيابك وكما آمنت بحقيقةِ تجذّرك في نفسي، خيالاً لطيفاً ووهماً محبّباً يا صاحب الأضداد!"
في ختام هذا اللقاء الممتع، لا يسعنا إلا أن نشكر الروائية المتألقة "نهلة الهبيان" على هذا الحوار الشيق والشفاف، وعلى ما جادت به من كلمات تلامس الوجدان وتدعو للتأمل. لقد أخذتنا في رحلة ملهمة بين كواليس الرواية وعوالم الشخصيات، وأثبتت أن الأدب الحقيقي هو الذي يترك أثراً ويبقى نابضاً بالواقع وقضاياه.
نتمنى لها مزيداً من الإبداع والتميز في أعمالها القادمة، وإلى لقاء آخر مع قامات أدبية تُثري فكرنا وثقافتنا.
مجلة | هذا أنا This is me
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)



.jpeg)

.jpeg)



.jpeg)
.jpeg)



.jpeg)
.jpeg)