مجلة | هذا أنا This is me
تطل علينا اليوم الأديبة والروائية المتميزة "نهلة فوزي الهبيان"، في حوار يغوص في أعماق الكلمة، ويفتش عن شرارة الإبداع الأولى.
هي صاحبة قلم يمزج بين الوجدان وقضايا الواقع الشائكة، استطاعت عبر ثنائية التخطيط والارتجال أن تبني عوالم روائية لافتة، من "الأخيذة" إلى "يتيهون فيها"، وصولاً إلى "السيد طيف". نلتقي بها اليوم لنبحر في طقوس كتابتها، ونقترب أكثر من ملامح شخصياتها المتمردة.
نهلة الهبيان: أهلاً بكم وبقرّاء "المجلة" الأعزاء. يسعدني جداً هذا اللقاء، وتسرني هذه المحاورة التي تنبش في تفاصيل الحرف وكواليس الكتابة.
فالكتابة بالنسبة لي ليست مجرد حبر على ورق، بل هي رحلة بحث مستمرة عن الأثر والامتداد، ومحاولة جادة لملامسة قضايا مجتمعنا وتجسيد مشاعره.
أتمنى أن يكون حوارنا هذا نافذة ممتعة تليق بشغف القارئ العربي.
المجلة: شرارة البداية؛ ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" لمسيرتكِ الروائية؟
نهلة الهبيان: كانت البداية، أو بالأحرى لِنَقُل: العودة الجادّة إلى الكتابة بعد انقطاع دام لِسنوات؛ كنتُ قبلها أكتب في دفاتري وأوراقي وبين زملاء الجامعةِ وأساتذتي، حتى كانت العودة في عام 2017 عبر منصّات التواصل الاجتماعي.
وكان لوجود قارئٍ محبٍّ لحرفي، مُشجِّعٍ له، بل ومُنتظِرٍ لما أكتب، أثرٌ كبير في تغيير نظرتي إلى الكتابة؛ إذ لم تعد بالنسبة لي مجرّد متعة ذاتية أدوّن من خلالها نصًّا وجدانيًّا بديعًا فحسب، بل أصبحت أتطلّع إلى ما هو أطول عمرًا وأبقى أثرًا.
رواية (الأخيذة: قضية رأي عام)
"أكره قوتك الزائفة إذ تقابلني بها، تعرج منك إليّ حتى تخفت ثم تندثر؛ وإن توشحت بوشاح الضجة المصطنعة والسلطة المسؤولة؛ ففي قلبك الشوق يغزوك يوهنك فيّ ليقتلك.
أكرهني لأني لم أرَ اكتمال العشق إلا معك، لم أستلذ بمدارات الموجودات من حولي -رغم بعدك وبعدي- إلا لأنها تجود عليّ بك وتضيعني فيك. كنت أظنه ذات حلم على سنام العاجية عشقًا أفلاطونيًا لا يحدث هنا بين مدائن الذنوب والمعاصي، بين صراعات النفوس، وقذائف القدر.
أكره ثباتك الواهي، وأنا المتشبثة بأضلعك أن تحرك.. انطق.. قل لي كيف تبدو هكذا قوياً، متماسكاً، صلباً، صلداً، وأنا التي اجتمع عليها الحرق والغرق وكل صنوف الألم؟!
أكره ثرثرتي التي لم تخلق إلا في لقاءاتي معك في عهدنا الأول، ومع الغير كنتُ الخرساء البكماء التي لا تصلح لمخالطة البشر.
أكره صمتك الضافي الذي دائماً ما كان يوخزني على استحياء أن أوجزي في الكلام، أو فلتصمتي، وتدعي الأعين تتبادل السلام حباً.
أكره صمتي الآن الذي يضج بك، يقارنك بين ما كنتَ والحال، بين لهفات الماضي الطفولية، وصلابة الحاضر الرجولية، بين شغف حضورك الذي أستشعره رغماً عني، ورتابته الفعلية. كرهت المقارنات التي يميد ذهني تحت أقدامها كلما صمتُّ؛ أعلمتَ لماذا كل هذا الصخب؟!"
المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
نهلة الهبيان: ليس مخططًا دقيقًا، وإنما يكون هناك تصور عام للأحداث الرئيسة التي تدور حولها فكرة الرواية، وخلال الكتابة تتولد أحداث فرعية تسهم في خدمة البناء الرئيسي للعمل وتصعيده، وكذلك تعميق الفكرة.
المجلة: أي شخصية في رواياتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية؟ وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
نهلة الهبيان: يمكنني أن أقول إنني في شخصية “وفاء” كابنةٍ مع أمّها، قد تركتُ فيها بعضًا مني حين نقلتُ مشاعر الاغتراب عن الأهل. وأيضًا، فإن أمومة “وفاء” لابنتيها تحمل كثيرًا من أمومتي أنا.
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في أعمالكِ؟
نهلة الهبيان: الحقيقة، ولأن الحديث هنا عن الأعمال الروائية، فقد تناولتُ قضيتين مجتمعيتين مهمتين من وجهة نظري:
الأولى: قضية الاتجار بالإناث، وذلك في رواية "الأخيذة: قضية رأي عام"، وهي قضية شائكة وحساسة.
الثانية: أثر ثورات الربيع العربي على الأسرة، وقد تناولتها في رواية "يتيهون فيها".
من رواية (يتيهون فيها)
"هاه، مالك تنظر إليّ مغتاظاً؟
لا بأس، ألم أقل لكَ لا تستمع إلى ترهات رجل مثلي أدرك بعد كل هذه الإنجازات -التي يلقبونها على سبيل الشفقة بالعظيمة- أن العالم كله طاهر الذيل، نظيف اليد، الكل أخيار طيبون وأنا الشرير الوحيد الذي أنجبته أمه فيه على سبيل الخطأ؛ فلوّثه؟!
أنزل يدك ولا تلوح لي هكذا، ألم أقل لك من قبل لا تحاول دحض أقوالي باستدلالات معتوهة وإن رأيت الكلمات من فمي متناثرة يصبغها الأحمر تُشهد الجدران الكفران؟ لا توقفها، دعها وطرائقها المتشعبة في كل اتجاه، دع الكلم الفاسد يخرج من جوفي لربما أتطهر من رجس القيم ووهم مبادئ القابضين على رقبتي من يوم أن هددتني أمي وتحذيرها تنطقه حمرة عينيها قبل الصوت الصارم: "لو اعوججت ستخبرني رائحة قبلتك على يدي".
عاهدتني أن أعيش حياتي محافظاً على نظافة فمي مهما كلفني التأدب من رمق المسفهين وتندرهم، المهم ألا تحرمني البشارة بعد كل قبلة تطمئنني أني على الخط المستقيم لم أنحرف.
لربما معضلتك أن أمك لم تقل لك شيئاً، وتركتك تمضي كيف شئت، لكن أيّاً يكن سيبقى الاستفهام الملعون قادراً على سحب غيره إليّ، قل لي أولاً كيف لنا أن نلتقي هنا أيضاً ألم نفترق منذ شهور؟! كيف.. كيف؟"
المجلة: ما بعد النشر؛ بعد صدور الرواية، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
نهلة الهبيان: بالتأكيد، بعد النشر يصبح العمل ملكًا لقارئه، وككاتبة أظل مترقّبة ردود القراء، خاصة في الفترات الأولى من صدور العمل. ومع مرور الوقت يهدأ ذلك الترقب، لا سيما حين أشرع بالتفكير في عملٍ جديد.
أمّا النقد؛ فهو حقٌّ مكفول لمن يقرأ، خصوصًا إذا كان موضوعيًّا في طرحه، يعرض العيوب كما يعرض المميّزات.
المجلة: صورة المرأة؛ كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
نهلة الهبيان: أنا أبني الشخصية المنوط بها أداء دورٍ معيّن في الرواية بعيدًا عن أي قوالب جاهزة؛ فنحن نُسيّر الشخصية وفق الفكرة، لا نُسيّر الفكرة وفق الشخصية، وهذا كلّ ما في الأمر.
المجلة: من هو أكبر داعم لكِ في مسيرتكِ الأدبية؟
نهلة الهبيان: الحقيقة أن أكبر الداعمين لي هم ( زوجي، وأبنائي )، وصديقاتي الخُلص، وأحمد الله كثيراً على نعمة وجودهم في حياتي.
المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية، ولكنهم لم يجرؤوا حتى الآن على اتخاذ هذه الخطوة، ماذا تقولين لهم؟ وما هي نصيحتكِ لكل كاتبة شابة تخشى نشر عملها الأول؟
نهلة الهبيان: الرواية والقصة لهما أسس وقواعد، وطالما لديك الموهبة واطلعت على الأسس والقواعد؛ فخض التجربة واستمتع بصناعة عالم جديد تكون أنت المحرك لأبطاله وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه. لا شك أن الكتابة متعة، ولكن لمن لا يبالي بأي أعين تراقبه.
وطالما لديك الموهبة، ولديك المنتج الذي يشهد لك على إبداعك؛ فتوكّل على الله وانشر عملك، لكن لا تبخس حقك، ولا تنتظر كثيرًا من سوق النشر.
لا تبخس حقك بالنشر مع دورٍ لا أصل لها ولا ثقة، ولا تنتظر الكثير كأن تبيع آلاف النسخ مثلًا؛ فالسوق مليء بالمواهب والمبدعين. فاكتب لأنك تحب الكتابة، وانشر لتؤكد لنفسك أنك تستطيع أن تلمس إبداعك.
المجلة: تجاوز العقبات؛ كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة"، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
نهلة الهبيان: أقرأ.. لا أستطيع أن أعود إلى الكتابة بعد ما يُسمّى بـ "حبسة الكتابة" إلا بعد فترات طويلة من القراءة. وحتى حين أعود، لا تكون العودة قوية؛ أكون كمن "يشخبط": كلمات هنا وكلمات هناك، كأنني أحاول تجميع روحي بعد أن تفرّقت في الأرض، لتعاود التحليق من جديد فوق الأوراق.
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
نهلة الهبيان: لا، لم يزل لها بريقها عند الشغوفين بالكاتب نفسه وليس بالعمل فقط.
من رواية (السيد طيف)
"الأمر يزداد سوءاً، هذا الفيروس يقتات على رئاتِ النّاس، إنه يحصدهم ولا رادعَ له، أعدادُ الوفيّات في ارتفاعٍ مستمرّ، المستشفيات لا يوجد بها أسرّة، أنكمشُ على نفسي وأضمّ إليَّ صِغاري، أخافُ أن يُحال بيني وبينهم في أيّ لحظة، مجرّد التفكير في هذا الاحتمال يُشعل قلبي، ثم ما ألبث أن أتذكّر أن لي رباً لطيفاً بعباده، فأهدأ ويبيد خوفي، وأمارسُ يومي داخل البيت دون خوفٍ وبلا ترقب.
المناداة بحتميّةِ التزامِ البيوت لا تكفّ ليلَ نهار على كافّة وسائلِ الإعلامِ ووسائلِ التّواصل، أسمع مناداتهم، وأقول: لقد اعتزلتُ من قبل الكورونا، اعتزلت الكثير جداً من العلاقات؛ لأدركني قبل أن أضيع في الناس، واليوم كلّ الناس مأمورون بألّا يضيعوا في بعضهم البعض؛ ففي ذلك فناؤهم الذي قضى عليهم به الكوفيد.
أتعلم يا طيف، رغم كلّ هذا الذعر الذي تمتلئ به الحياة، هناك من يأخذُ بالأسباب وقلبه مطمئن بما يمكن أن يلاقيه ويواجهَه، سمعتها من عجوزٍ التقيته في الطّريق، يحدّث نفسه بها بصوتٍ مسموع، كأنما يصبها على مصيرها...
«هذا الوباء جندٌ من جنودِ الله، آتٍ بكشفِ أسماء، ليقبض أرواحهم، فإذا ما انتهى الكَشف، انتهى الوباء وعادت الحياة لمن قُدّرت لهم الحياة، ويا عالم ساعتها بأيّ كشفٍ يكون اسمي»، ثم علا صوته ليُسمعَ من بعيدٍ قائلاً: «خذوا بالأسباب يا ولاد وتوكّلوا على الله واسعوا على لقمةِ العيش، الدنيا صعبة والحِمل ثقيل». غمتني كلماته، بعدما كنت حريصةً على السّماع، أسرعت الخطى حتى تفاديته يا طيف.
صدّقني، لولا الإيمان لتطايرَ الناس من فرطِ هشاشتهم أمام ما يواجهون، ولو كان هذا الذي يواجهونه دواخلهم المُتشابكة معهم في معارك لا انتهاء لها ولا ظفر حقيقيّ فيها يتلمّسونه بأيديهم وأبصارهم؛ لذلك آمنت بكلّ ما يُمكنه أن يحقّقَ لي هذا الظّفر المرجوّة منه نجاة الدّنيا والآخرة، كما آمنت بحقيقةِ غيابك وكما آمنت بحقيقةِ تجذّرك في نفسي، خيالاً لطيفاً ووهماً محبّباً يا صاحب الأضداد!"
في ختام هذا اللقاء الممتع، لا يسعنا إلا أن نشكر الروائية المتألقة "نهلة الهبيان" على هذا الحوار الشيق والشفاف، وعلى ما جادت به من كلمات تلامس الوجدان وتدعو للتأمل. لقد أخذتنا في رحلة ملهمة بين كواليس الرواية وعوالم الشخصيات، وأثبتت أن الأدب الحقيقي هو الذي يترك أثراً ويبقى نابضاً بالواقع وقضاياه.
نتمنى لها مزيداً من الإبداع والتميز في أعمالها القادمة، وإلى لقاء آخر مع قامات أدبية تُثري فكرنا وثقافتنا.
مجلة | هذا أنا This is me
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا