أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 11 مايو 2026

حوار مع الروائية الجزائرية: شيماء روابحية





بين طيات الفقد ودروب الحنين، تولد نصوصٌ لا تعرف الغياب، وكلماتٌ تُكتب بمداد الروح لتخليد تفاصيل سكنت القلب ولم تغادره. في لقائنا اليوم، نبحر في عالم الكاتبة والروائية الجزائرية "شيماء روابحية"، ابنة ولاية تبسة العريقة، التي استطاعت ببراعة الباحثة في علم الاجتماع وحسّ الأديبة المرهف أن تحول المشاعر الإنسانية إلى رسائل خالدة.



عبر عملها الروائي المميز "زينة حياتي: رواية أم لا تموت"، تأخذنا شيماء في رحلة وفاء استثنائية، مبرهنةً أن الكتابة هي الوطن البديل حين يضيق الواقع، وهي الصوت الذي لا ينكسر في وجه الزمن. في هذا الحوار، نغوص معها في دوافعها الإبداعية، ونتعرف على سر ارتباطها بالكلمة، ورؤيتها لدور القراءة والإبداع في بناء وعي الشباب.



بطاقة تعريفية


شيماء روابحية، كاتبة وروائية جزائرية من ولاية تبسة، حاصلة على شهادة الماستر في علم الاجتماع (تخصص تنظيم وعمل). شغوفة بالأدب، تؤمن بأن للكلمات أثراً يبقى حتى بعد الرحيل؛ لذا تسعى من خلال كتاباتها إلى ملامسة القلوب ونقل المشاعر بصدق وعمق. تهتم بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، وتجد في الذكريات، والأمومة، وقضايا المرأة مصدر إلهام دائم لنصوصها ومقالاتها الأدبية.



أبرز أعمالها: رواية "زينة حياتي: رواية أم لا تموت".








من أجواء الرواية (اقتباس)


"أنا ابنة زينة، أحمل اسمها حيثما ذهبت، وأجد حضورها كلما كتبت عنها، كلما حكيت سيرتها، كلما رفعت رأسي إلى السماء وقلت: رحمك الله يا أمي. ورغم أن غيابها جعل قلبي هشّاً، إلا أنني في أعماقي أشعر أنها لم تفارقني يوماً؛ في وجهي حين أبتسم، في صوتي حين أنصح، وفي دمعي حين أحنّ. أنا ابنة زينة، وهذا يكفيني لأحيا بشرف، وأمضي مطمئنة أنني لم أُولد عبثاً، فقد كنتُ امتداداً لامرأة استحقت أن تُخلّد."



المجلة: في البداية، ما هو الدافع الحقيقي وراء دخولكِ عالم الكتابة؟


شيماء روابحية:
الكتابة هي هوايتي المفضلة، وقد دفعني إليها ذلك الشعور الذي يجعل الكلمات ملاذاً حين تضيق المشاعر، وصوتاً حين يعجز القلب عن البوح. دفعتني الذكريات، والمواقف، والأشخاص الذين مرّوا في حياتي، وربما الفقد أيضاً؛ لأن بعض الأحزان لا تُشفى إلا بالكتابة. أكتب لأنني أؤمن أن للكلمات أثراً يبقى، وأن المشاعر حين تُكتب تتحول إلى حياة أخرى لا تموت. أكتب لأن في داخلي حكايات كثيرة تستحق أن تُروى، ولأن الرواية بالنسبة لي ليست مجرد صفحات، بل هي وطن ألتجأ إليه كلما أثقلني الواقع.



المجلة: من كان الداعم الأول لشيماء في مسيرتها الأدبية؟


شيماء روابحية:
أول داعم لي كانت أمي -رحمها الله-؛ ذلك القلب الذي احتضن موهبتي قبل أن يراها الآخرون. كانت تقرأ كلماتي بإيمان، وتمنحني شعوراً بأن لدي شيئاً يستحق أن يُكتب. بفضلها أدركت أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل رسالة وصوت يشبهني.



المجلة: بين الرائحة التقليدية للورق وسهولة التصفح الرقمي، أيهما تفضلين؟


شيماء روابحية: لكلٍّ من النشر الورقي والإلكتروني جماله وتأثيره، والاختيار بينهما يعتمد على هدف الكاتب وطبيعة جمهوره. النشر الورقي يمنح الكاتب شعوراً مختلفاً؛ فملامسة الكتاب ورؤية اسمك على الغلاف تبقى لحظة استثنائية، كما أن الكتاب الورقي يحمل قيمة رمزية وثقافية تجعل القارئ يعيش تجربة أعمق مع النص. أما النشر الإلكتروني فهو أسرع انتشاراً وأسهل وصولاً، يتيح للكاتب الوصول إلى قرّاء من مختلف الأماكن. وفي رأيي، الأفضل أن يجمع الكاتب بين الاثنين: الورقي ليبقى أثراً يُقتنى، والإلكتروني ليصل صوته إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.



المجلة: ما هي الرسالة التي تودين توجيهها للشباب لدفعهم نحو القراءة؟


شيماء روابحية:
القراءة ليست ترفاً، بل هي بداية لكل حلم جميل. كل كتاب تقرؤه يضيف لك فكرة، يوسع وعيك، ويجعلك ترى الحياة من زوايا مختلفة. لا تستهينوا بصفحات قليلة تقرؤونها اليوم، فقد تكون سبباً في تغيير مستقبلكم كاملاً. اقرؤوا لأن العقول تُبنى بالمعرفة، ولأن الإنسان الذي يقرأ لا يبقى كما كان أبداً.




المجلة: ما الذي تستهدفه كتاباتكِ، وإلى أي تصنيف أدبي تميلين؟


شيماء روابحية:
تهدف كتاباتي إلى ملامسة القلوب قبل العقول، ونقل المشاعر الإنسانية بصدق وعمق، خاصة تلك المرتبطة بالذكريات، والفقد، والأمل، وقوة المرأة في مواجهة الحياة. أحاول أن أترك أثراً طيباً في القارئ، وأن يحمل كل نص رسالة تعيش معه. أما التصنيف الأدبي، فأنا أميل إلى الأدب الاجتماعي والوجداني، مع حضور واضح للخواطر والرواية النفسية التي تهتم بالتفاصيل الإنسانية العميقة.




المجلة: هل ترين أن للإبداع "سقفاً" أو عمراً معيناً؟


شيماء روابحية:
الإبداع لا يرتبط بعمرٍ معين، بل بالشغف والتجربة والإحساس. فقد يبدع الإنسان في سنٍ صغيرة لأنه يحمل فكرة مختلفة، وقد يتألق في عمر متقدم لأن الحياة منحته عمقاً أكبر وتجارب أكثر. الإبداع الحقيقي يولد من الداخل، ومن القدرة على التعبير والتأثير؛ لذا لا يوجد وقت متأخر للنجاح، ولا عمر محدد لصناعة الأثر.




المجلة: هل تشعرين أن الكتابة تأخذ حقها حالياً، أم أنها مهضومة الحق وسط التغيرات المجتمعية؟


شيماء روابحية:
الكتابة اليوم تمر بمرحلة من الحضور الواسع والانتشار الكبير، لكنها فقدت جزءاً من عمقها وسط سرعة الاستهلاك وضجيج المحتوى. النصوص الجادة لم تعد تحظى دائماً بالوقت الكافي للقراءة والتأمل، رغم أنها ما زالت موجودة وقوية عند من يبحث عنها. الكتابة لم تفقد قيمتها، لكنها تحتاج إلى قارئ يمنحها حقها في هذا العصر السريع.




المجلة: ما هو النجاح الذي تطمحين إليه؟ وهل لطموحكِ سقف محدد؟


شيماء روابحية: النجاح في حد ذاته ليس له سقف ثابت، لأنه يتغير حسب الفكرة والمعيار الذي نقيس به. النجاح الحقيقي ليس في "الكمّ" فقط، بل في الأثر؛ أن تكون الفكرة مفهومة، وأن تترك الكلمة أثراً، وأن يستمر الإنتاج في خدمة الوعي. النجاح مسار مستمر من التطور، وكلما ارتفع مستوى الطموح، ارتفعت المعايير.




المجلة: أي المدارس الأدبية تفضلين القراءة لها.. القدامى أم المعاصرين؟


شيماء روابحية: لا يمكنني التفضيل بشكل مطلق؛ فالقدامى مثل ابن خلدون والجاحظ يقدّمون عمقاً فلسفياً وإنسانياً يغوص في النفس البشرية بطريقة ثقيلة ومؤثرة. أما المعاصرون، مثل نجيب محفوظ وأحلام مستغانمي، فيجمعون بين عمق الفكرة وقربها من واقع الإنسان اليوم بلغة أكثر مرونة. الاختيار يعتمد على ما تريد: هل تبحث عن عمق فلسفي أم نبض قريب من الواقع؟




المجلة: ما هي خطواتكِ القادمة في عالم الأدب والحياة؟


شيماء روابحية:
خطواتي القادمة هي محاولة لفهم نفسي أكثر، ولإعادة ترتيب ما تبعثر في داخلي. سأمشي ببطء هذه المرة، لا لأتأخر، بل لأرى الطريق بوضوح. سأتعلّم أن بعض الخطوات لا تحتاج ضجيجاً بل يقيناً صامتاً، وأن الوصول الحقيقي يبدأ من قرار داخلي بالاستمرار مهما كانت المسافات.



المجلة: كلمة أخيرة نختم بها لقاءنا الممتع معكِ.


شيماء روابحية:
إلى مجلةٍ تجمع الحرف بالفكر، وتمنح الكلمة مكانها بين الوعي والجمال؛ لكم منّي تقديرٌ يليق برسالتكم، وشكرٌ على مساحةٍ تُنصت للأقلام وتحتفي بالمعنى. دامت مجلتكم منبراً يضيء العقول، وبقيت كلماتكم شاهداً على أن الأدب ما زال حياً ما دام هناك من يكتبه بإخلاص.




في ختام رحلتنا بين سطور المبدعة شيماء روابحية، ندرك أن الكتابة ليست مجرد صف رصين للكلمات، بل هي نبضٌ حيّ وقنديلٌ يضيء عتمة المسافات. لقد أخذتنا شيماء في جولة ممتعة بين ذكريات الوفاء للأم، وطموحات الكاتبة التي لا تعرف السقف، لتذكرنا بأن الأثر الطيب هو ما يبقى، وأن "زينة" الحياة الحقيقية تكمن في صدق ما نتركه خلفنا من مشاعر وحروف.



كل الشكر لضيفتنا الكريمة على هذا البوح الراقي، وعلى لغتها التي لامست قلوبنا قبل عقولنا، متمنين لها مزيداً من التألق في سماء الأدب الجزائري والعربي، ولروايتها أن تظل صوتاً يتردد لكل أم لا تموت في ذاكرة أبنائها.





11مايو 2026


مجلة | هذا انا This is me

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك لتشجيعنا