من عبق الياسمين الدمشقي، وفي المسافة الفاصلة بين صرامة القانون ورقّة القصيدة، تطلّ علينا الشاعرة السورية علياء مرتضى. هي ليست مجرد كاتبة، بل باحثة في ثنايا الروح والأديان والفلسفة، استطاعت أن تطوع الكلمات لترسم بها "لواعج النفس" في ديوانها "قيصري".
من قلب الشام، بلد الياسمين، تأتينا الشاعرة علياء مرتضى. تبلغ من العمر 43 عاماً، درست الشريعة الإسلامية والقانون والفلسفة وعلم النفس، وعملت في الإدارة وعروض الأزياء والبحث في الأديان.
صدر لها ديوان شعري بعنوان "قيصري".
هناك أطفالٌ يُقالُ عنهم أفاعٍ
وهم بلا أنياب
فيا أجنةَ البطونِ قومي ودعي النيامَ
نياماً
في هذا الحوار، نُبحر معها في رحلة بدأت منذ ربيعها الثالث عشر، لنتعرف على فلسفتها في الكتابة التي ترفض "الصناعة الباردة"، ونكتشف كيف يوازن الشاعر بين همومه الذاتية وقضايا أمته في عصر السرعة. نفتح معكم أوراق مسوداتها، ونستنطق صمت الكلمات في بوحٍ يتجاوز حدود الورق."
المجلة: بين الموهبة الفطرية والدراسة الصارمة، أين تجد الشاعرة علياء مرتضى نفسها؟
علياء: أجد نفسي في الموهبة الفطرية أولاً، فقد كانت عبارات والدي الإنشائية التلقائية هي المحفز الأول لي، إضافة إلى تأثري ببعض الموهوبين ودراستنا للغة العربية. وجدت نفسي أكتب بسلاسة وتلقائية منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري.
ومئذنةُ الهولِ صداحةٌ
ريحُ الموتِ خناقٌ
وللعيشِ مرواحُ
ظلالُ الكرهِ مشنقةٌ
تعلقت على كلِّ باب
المجلة: هل للقصيدة عندك "موعد مقدّس"؟ أم أنها كائن متمرد يباغتك في أكثر الأوقات غرابة؟
علياء: القصيدة بالنسبة لي كائن يهمس لي، ويدغدغ لواعج نفسي ليحرك قلمي، فيرسم ما أوحي به من صورٍ هندسية على أسطر ملهمة.
المجلة: يقال إن القصيدة تبدأ بـ "دفقة شعورية" وتنتهي بـ "صناعة باردة"، كيف تمارسين عملية التنقيح والحذف في نصوصك؟
علياء: نعم، تبدأ بدفقة شعورية وتنتهي بذات التدفق. أنا لا أؤمن بـ "الصناعة الباردة" للنص؛ لأنها تفقده حرارة المعنى، فيتحول العمل من إبداع إلى مجرد مهنة.
المجلة: هل تكتبين للناس ليفهموكِ، أم تكتبين لتفهمي نفسك بشكل أفضل؟
علياء: للاثنين معاً؛ فما يخرج من القلب يستقر في القلب مباشرة.
المجلة: ما هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين "الغموض المحبب" في شعرك وبين "الإلغاز" الذي قد يبعد القارئ؟
علياء: "التصنع" هو الفاصل؛ فمتى ما دخل التصنع في النص تحول إلى لغز يرهق القارئ.
المجلة: إلى أي حد تعتقدين أن الشاعر لا يزال "لسان حال الأمة" في عصر التكنولوجيا والسرعة؟
علياء: الشاعر هو لسان حال من يؤمن به فقط، ولكل مقام مقال.
المجلة: كيف توازنين في قصائدك بين الهمّ الذاتي (الأنا) وبين القضايا الإنسانية والوطنية الكبرى؟
علياء: لكل جانب نصيب من حياة الشاعر، ولكل قضية وقتها المناسب للتبيان والتعبير.
ليلُكم حالكٌ والأشباحُ إبدالُ
فيا مجهولَ الأدبِ والعِرق
ويا جندَ الشيطان
نارٌ أكلت حواشينا والأكبادُ مفتتةٌ
المجلة: متى شعرتِ للمرة الأولى أن الكلمات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت أداة للرسم والبوح؟
علياء: منذ أول قصيدة كتبتها وأحدثت تفاعلاً مع من حولي؛ حينها أدركت أنها أداتي الخاصة لبوح ما بداخلي.
المجلة: هل تشعرين أن قصيدة النثر سحبت البساط من الشعر العمودي والتفعيلة، أم أن "الوزن" يظل هو نبض القلب الشعري؟
علياء: لكل نوع من الشعر جاذبيته الخاصة التي تصل للمتلقي. الشعر بحد ذاته جمال يتلقفه الآخر بطريقته، وفهمه للنص، وإحساسه بشعور الكاتب.
المجلة: ما هي القصيدة التي تمنيتِ لو أنكِ أنتِ من كتبتها؟
علياء: لا توجد قصيدة بعينها؛ فلدي طريقتي الخاصة في التعبير والكتابة التي لا تشبه غيرها، مع كامل محبتي للعديد من القصائد الجميلة.
المجلة: من هو "الملهم الأول" الذي فتح لكِ أبواب القصيدة؟ وهل تذكرين أول بيت شعر هزّ كيانك؟
علياء: والدي كان الملهم الأول، فقد كان ينمي فيّ الأحاسيس والشعور بالطبيعة والنجوم وضوء القمر، ومن ثم معلمتي في المدرسة. أما أول نص اندمجت معه فكان السلام الوطني السوري "حماة الديار عليكم سلام".
المجلة: إذا طُلب منكِ اختصار مسيرتك الإبداعية في جملة أو بيت شعر، فماذا تختارين؟
علياء: "إننا لا ننتقل من مرحلة عمرية لأخرى بل نُخرق خرقاً.. فنحن لا نكبر على مهل".
المجلة: ما هو المشروع الشعري الذي لا يزال يسكن مسوداتك ولم يخرج للنور بعد؟
علياء: نحن الشعراء -للأسف- نتعرض لضغوط مادية ومعنوية؛ لذا فإن أغلب ما في داخلنا من إبداع لم ينشر أو يكتب بشكل كامل بعد.
من قصائد الشاعرة علياء مرتضى:
"دميتي.. أبرمتُه علناً
أنت لي وحدي..
أنت لي.. أنت لي وحدي"
"فمن شدّت على يدي.. كمن شدّت على قلبي
هي وردةٌ من بستان أمي
هي السعادة ونبض الحب.. أختي"
بين اعتزازها بخصوصية التجربة وإيمانها بأن الشعر هو النبض الصادق للقلب، تظل علياء مرتضى صوتاً سورياً يبحث عن الجمال وسط الضغوط، ويؤكد أن القصيدة هي الملاذ الأخير للبوح.
نشكر الشاعرة علياء على هذا الحوار الشفاف، على أمل أن نرى ما يختبئ في مسوداتها نوراً يضيء رفوف المكتبة العربية قريباً."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا