مجلة | هذا أنا This is me
في عالم الأدب، تولد الرواية من رحم المعاناة والتمرد، وتتحول الكلمات إلى مرآة تعكس خفايا المجتمع وتابوهاته المسكوت عنها.
واليوم، تُبحر بنا "المجلة" في غمار تجربة أدبية فريدة تمزج بين قسوة الواقع وعذوبة الخيال، لنحاور الكاتبة المتألقة دينا العزة.
في هذا الحوار الشيق، تفتح لنا الكاتبة قلبها لتتحدث عن "شرارة البداية"، وكيف تروض شخصياتها المتمردة، وموقفها من النقد والتحولات الرقمية، فضلاً عن رسالتها للمبدعين الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى على عتبات الحبر والورق.
المجلة: أهلاً بكِ معنا.
دينا العزة: أهلاً بكم
شرارة البداية
المجلة: ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" الأولى لكِ في عالم الكتابة؟
دينا العزة: ربما هناك صوت داخلي يتنبأ بأحداث قد نمر بها فيما بعد، لكنها تتجول في حنايا المستقبل بشراهة، لنجد أننا كتبنا أنفسنا بعد حين بتفاصيل لم نتوقع أنها حاضرة بهذه القوة.
وأحياناً مراقبتنا لمن حولنا وللأحداث التي تدور حول تفاصيل قد تستفزك أو تشعرك بالغموض الذي تحاول أن تأوّله، تجعل الكتابة نيراناً تحرقها ليصبح رماد الأسرار قوة للإبداع.
بين التخطيط والارتجال
المجلة: هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
دينا العزة: في الحقيقة، أفضّل التكنيك الذي تقودني به الفكرة إلى شخصيات تسرق من الكاتب حرية الاختيار ما بين التخطيط أو تركها للأحداث؛ فالموهبة الحقيقية تقودك دائماً، لكن لا غنى عن وضع خطة لكل شخصية وترتيب رؤوس أقلام عما تحمل من تفاصيل.
ملامح الشخصيات والتمرد
المجلة: أي شخصية في روايتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية، وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
دينا العزة: ربما إن أردت ربط بطلة الرواية (داليدا) -والذي يعني اسمها المرأة القوية الناعمة، ويظهر طبيعتها وقوتها- بشخصيتي، فلأنها خطفت الضوء من أول مدخل الرواية الذي كتبته بما يسبق أي حدث ارتبط بتفاصيل الرواية بما يقرب من الستة أشهر، كالعزلة الموبوءة، وكذبة نيسان، والجنازة.
أما بما يخص الشق المرتبط بالتمرد، فكل الشخصيات بها جانب من التمرد، خاصة عندما يكون حدث الرواية مليئاً بالتابوهات، وهنا تكمن قوة الكاتب في ترويض الفكرة والشخصية بسياق يخدم الرواية.
"داليدا"
"أخذها على محمل الحب فوق سحاب بصرهما، وافترشا من نبضهما رمل محبة، أمعن في تفاصيل وجهها الناضج، فوجد شمسه تشرق من حدقتيها النباتيتين، ثم أغمض عينه فمسحت على حلمه بشعرها المكتنز بالتوت، يختمر معه الطيف ليلد قبلة شغف على ساعديه، غامر معها بالحياة فأصبح يقامر بها، رفع منسوب جلدها بعد لياليه الراقصة على نغم حبها، ثارت..
فنَزَقُ الروح ثوّارٌ قامت قيامة قبابهم، ومآذن حناجرهم هجرت صداها، ما عاد للحب سلامٌ ولا الأم بقيت كسابق عهدها حضارة، ما عاد لطفلة أن تلهو بجديلة براءتها ولا النوارس فوق الغروب تُحلّق، فربما القيامة..
رجل ترتعش به أهوال الحياة فيقع القدر بشباكه على فريسة سعادته، تنتصر المصيدة ويفتح قبر الأمل صارخة آهات القهر فوق شاهده، فتنجو.. امرأة."
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في هذا العمل؟
دينا العزة: في الحقيقة، كانت هناك الكثير من التابوهات المغلقة رغم انتشارها بين المجتمعات، كزنا المحارم، وعبّاد الشيطان، والأمراض النفسية الخفية وما يؤول عنها من تدمير مجتمعي، والسحر. وبالمقابل، كانت قضايا الإيمان والحكمة والصبر والحب الذي يزرع الصحراء بساتين أمل، تجعل الحياة مشهداً آخر يوازن الرواية ويجعلها -رغم قسوة ما تمّ كتابته- قريبة للذات وأقرب للواقع، وتحمل رسائل تداوي ما قد سممته الأحداث.
ما بعد النشر وقبول النقد
المجلة: بعد صدور الرواية، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
دينا العزة: الحقيقة أن كل شيء وُجد للانتقاد هو حافز، وقد تكون وجهات نظر؛ فلكل شخص عين مختلفة في قراءة ما يحدث، وهذا عموماً ينطبق على الرواية أيضاً؛ فكل انتقاد يعني تحفيزاً جديداً لقدراتك، لرؤياك، ولأسلوبك. لكن علينا توخي الحذر بأن لا يصبح الانتقاد على المستوى الشخصي ويتعامل الكاتب من هذا المنطلق، بل عليه الثبات والاستماع جيداً لكل ما يقال ليبني أساساً متيناً آخر في عمل جديد.
صورة المرأة في الأدب
المجلة: كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
دينا العزة: المرأة خُلقت لتربّت على قسوة هذا المجتمع، ولكن هناك فرق بين أن تكون المرأة مُستغلّة في عاطفتها وصبرها وتوضع على الهامش رغم حاجة المجتمع لها، وبين امرأة تتسم بكامل صفاتها التي خُلقت بها ولها ولكن تقيم حدود حقوقها وواجباتها وتوقف استنزافها بحكمة.
ثق تماماً أن المرأة التي تتمرد (إن أسميناه تمرداً) مع اتسامها بالحكمة والقوة والتصالح الذاتي هي من تستطيع قلب المعادلة من الخسارة إلى الانتصار رغم ما ستخسره أثناء معركتها.
وهنا المعركة لا تعني خصومة مطلقة وتجريحاً أو إثباتاً للوجود -فكيف لك أن تحارب من تحب أو عائلتك.. إلخ؟!- بل تأتي المعركة هنا للاحتواء والقدرة على التعامل في أصعب المواقف، وإيجاد حل مرضٍ للطرفين.. فالتوازن هو نبض الحياة.
تجاوز عقبات "انحباس الكتابة"
المجلة: كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة" (قفصة الكاتب)، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
دينا العزة: الهدوء وإعطاء مساحة للخروج من العصف الذهني يجعل التجدد سبيلاً آخر للإبداع والتغلب على هذه المشاكل.
أنا أجد نفسي وسط الضغوط أكتب أفضل ما عندي؛ وأذكر أن أول فصل في "داليدا" كتبته وسط زحام عمل، حيث كنت مديرة إدارية آنذاك، وهذا تحدٍّ آخر أحبه في نفسي، فكل كاتب له طبيعة وفكرة في كيفية خلق طقس للإلهام.
الدعم والمشجع الأول
المجلة: مَن أكبر داعم لكِ؟
دينا العزة: نفسي.. ثم نفسي.. ثم نفسي. إيماني بأن قلمي يستحق أن أدعمه، وهذا لا يعني أن أُسقط دعم عائلتي وبعض المقربين.
رسائل ونصائح للمبدعين
المجلة: ما هي النصيحة التي تودين توجيهها لكل كاتبة شابة تخشى نشر عملها الأول؟
دينا العزة: الحياة تجربة، وما عليكِ سوى أن تُقدمي.
المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية، ولكنهم لم يجرؤوا إلى الآن على اتخاذ هذه الخطوة، ماذا تقولين لهم؟
دينا العزة: دع قلبك وحواسك تخبرك كيف تنتفض لموهبتك، كن كما تريد، فخوض تجربتك الخاصة له متعة مختلفة عند الوصول.
بريق الرواية الورقية
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
دينا العزة: على العكس، الكثير ممن أعرفهم يستمتعون بملمس الورق، وخوض طقس آخر بالنظر إلى كل حرف.
لا يمكن أن يفقد الورق بريقه، فالتاريخ كلما مرّ عليه الزمن زاد ثمناً وأهمية، وكذلك الورق.
"رسائل مبحوحة"
"كيف لأعصابكِ أن تمسك بجيدها وتهزّ الصبر ليسقط بي ندى الصباح، كجورية على ثغر وسادتي تهمس بنبض وريدك الخائف من ردّة الليل."
في ختام هذا اللقاء الممتع، ندرك أن الكتابة ليست مجرد كلمات تُسطر على الورق، بل هي رحلة شاقة وشجاعة تقودها الحكمة وتغذيها الموهبة الحقيقية. كل الشكر للكاتبة المبدعة دينا العزة على هذا الحوار الشفاف والملهم، وعلى جرأتها في الغوص بأعماق الواقع الإنساني وإعادة صياغته بروح أدبية متوازنة.
وتبقى كتاباتها -كما ذكرت- رسائل تداوي وتزرع في صحراء الأيام بساتين من الأمل.
إلى لقاء آخر مع مبدع متجدد، وقلم ينبض بالبناء والإبداع.
مجلة | هذا أنا This is me
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا