مجلة | هذا أنا This is me
في عالمٍ تتشابك فيه الألوان بالكلمات، وتتحول العواطف فيه إلى لوحاتٍ وقصائد، نستضيف اليوم قامة إبداعية جمعت بين سحر الفنون التشكيلية وعذوبة الحرف الشعري.
هي باحثة في الوعي والتراث، ومُبحرة في عوالم الكلمة الصادقة، تعيد صياغة السكون عواصفَ، وتمنح الصمت قوافي نابضة بالبوح والإنسانية.
يسعدنا في مجلة "هذا أنا" أن نلتقي بالشاعرة والإعلامية التونسية المتميزة مسعودة القاسمي، لنبحر معها في تفاصيل تجربتها الإبداعية، ونستكشف الأسرار والخبايا الكامنة وراء نصوصها الأدبية الراقية.
نبذة عن الضيفة
الاسم: الشاعرة مسعودة القاسمي (تونس)
المؤهل العلمي: أستاذة تعليم ثانوي فنون تشكيلية، وماجستير في السياحة والتراث (2024).
الخبرات المهنية:
مدربة دولية معتمدة من عدة جهات دولية.متحصلة على دورات في التنشيط الإذاعي والتلفزيوني من عدة جهات (منها: سكون أكاديمي، وD&B للإعلام).
مقدمة برامج على راديو ويب، وباحثة في الوعي.
الإصدارات الأدبية:
ديوان مشترك بعنوان: "صمت القوافي".ديوان فردي بعنوان: "عواصف السكون".
النشاط الصحفي: ناشرة بعدة صحف محلية ودولية كشاعرة وناقدة وكاتبة للقصة القصيرة. اشتغلت كمديرة مكتب لجريدة "اللواء العربي" بتونس، وجريدة "الجسر"، و"نبض العرب"، وغيرها من الصحف الورقية والإلكترونية.
المجلة: بين الموهبة الفطرية والدراسة الصارمة، أين تجد مسعودة القاسمي نفسها؟
مسعودة القاسمي: أجد نفسي في المسافة بين الاثنين؛ فالموهبة كانت الشرارة الأولى، لكن الدراسة والانضباط هما ما منحا تلك الشرارة شكلها، وعلّماني كيف تتحول العاطفة إلى قصيدة.
المجلة: هل للقصيدة عندك "موعد مقدّس"؟ أم أنها كائن متمرد يباغتك في أكثر الأوقات غرابة؟
مسعودة القاسمي: القصيدة عندي لا تعترف بالمواعيد… تأتي حين تشاء، وفي أكثر اللحظات غير المتوقعة، وكل ما أملكه هو أن أكون مستعدةً لاستقبالها.
المجلة: يقال إن القصيدة تبدأ بـ "دفقة شعورية" وتنتهي بـ "صناعة باردة"، كيف تمارسِين عملية التنقيح والحذف في نصوصك؟
مسعودة القاسمي: أترك القصيدة تشتعل أولاً، ثم أعود إليها بعين أكثر هدوءاً… أحذف ما يشرح كثيراً، وأُبقي فقط ما ينبض.
المجلة: هل تكتبين للناس ليفهموكِ، أم تكتبين لتفهمي نفسكِ بشكل أفضل؟
مسعودة القاسمي: أكتب أولاً لأفهم نفسي، وحين تكون الكتابة صادقة بما يكفي… يجد الناس أنفسهم فيها.
المجلة: ما هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين "الغموض المحبب" في شعرك وبين "الإلغاز" الذي قد يبعد القارئ؟
مسعودة القاسمي: الخيط رفيع فعلاً؛ فالغموض يفتح باب التأويل، أما الإلغاز فيغلق باب التواصل… وأنا أحاول دائماً أن أترك للقارئ نافذة، لا متاهة.
المجلة: إلى أي حد تعتقدين أن الشاعر لا يزال "لسان حال الأمة" في عصر التكنولوجيا والسرعة؟
مسعودة القاسمي: ما زال الشاعر يحمل صوت الإنسان، حتى وإن تغيّرت المنابر… فالأمة اليوم قد لا تبحث عمن يتحدث باسمها فقط، بل عمّن يعبّر بصدق عمّا تعجز عن قوله.
المجلة: كيف توازنِين في قصائدك بين الهمّ الذاتي (الأنا) وبين القضايا الإنسانية والوطنية الكبرى؟
مسعودة القاسمي: أؤمن أن الذات هي بوابة العالم… فكلما كتبتُ ألمي وقلقي بصدق، وجدتُ فيهما الإنسان والوطن بصورة أعمق وأصدق.
المجلة: متى شعرتِ للمرة الأولى أن الكلمات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت أداة للرسم والبوح؟
مسعودة القاسمي: ربما منذ اللحظة التي اكتشفتُ فيها أن بعض المشاعر لا تُقال… بل تُكتب، وأن الكلمات تستطيع أن ترى وتبكي مثلنا.
المجلة: هل تشعرين أن قصيدة النثر سحبت البساط من الشعر العمودي والتفعيلة، أم أن "الوزن" يظل هو نبض القلب الشعري؟
مسعودة القاسمي: أرى أن الشعر لا يُقاس بالشكل وحده… فقصيدة النثر وسّعت مساحة التعبير، لكن الوزن سيظل، بالنسبة لكثيرين، نبضاً قديماً لا يفقد سحره.
المجلة: ما هي القصيدة التي تمنيتِ لو أنكِ أنتِ من كتبتها؟
مسعودة القاسمي: هناك قصائد نقرأها فنشعر أنها سبقتنا إلى ما كنا نريد قوله… وربما أجملها تلك التي تجعلني أغار منها أكثر مما أُعجب بها.
المجلة: من هو "الملهم الأول" الذي فتح لكِ أبواب القصيدة؟ وهل تذكرين أول بيت شعر هزّ كيانكِ؟
مسعودة القاسمي: كان الملهم الأول غالباً صوتاً قبل أن يكون اسماً… معلماً، أو كتاباً، أو قصيدةً سكنتني مبكراً. وما زلت أذكر منذ صغري أبياتاً هزّتني لأنها لم تُخاطب أذني فقط… بل شيئاً أعمق في داخلي.
المجلة: إذا طُلب منكِ اختصار مسيرتك الإبداعية في "بيت شعر" واحد، فماذا سيكون؟
مسعودة القاسمي: كَتَبْتُ لأَبْحَثَ عَنِّي بَيْنَ سُطُورِ العُمْرِ
فَاكْتَشَفْتُ أَنَّ الطَّرِيقَ هُوَ القَصِيدَةُ.
المجلة: ما هو المشروع الشعري الذي لا يزال يسكن مسوداتكِ ولم يخرج للنور بعد؟
مسعودة القاسمي: هناك دائماً قصيدة أكبر منّا لم تكتمل بعد… مشروع يحمل خلاصة العمر والأسئلة، وما زال ينتظر لحظته الصادقة ليولد كما يجب.
من أعمال الشاعرة قصيدة: الحلم
.jpeg)
سَأَلَتْ
وَفِي بَرَاءَةِ السُّؤَالِ
أَنَا...
طِفْلَةٌ لَمْ تَقُلْ يَوْماً لِلْحِبْرِ: لَا...
طِفْلَةٌ مَشَتْ حَافِيَةَ القَدَمَيْنِ...
تَغْسِلُ بِالطِّينِ دَمْعَةً لَمْ تُرَ... (تصحيح: لَمْ تَرَ)
كَانَ دَائِماً سُؤَالُهَا:
لِمَاذَا يَا أَبَتِي أُحَلِّقُ بِأَحْلَامِي
وَلَا أَرَى مِنْهَا إِلَّا مَا تَرَى؟
يَسْرِي الحِبْرُ الأَسْوَدُ فِي الثَّرَى
تَكُونُ الطِّفْلَةُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ الحُلْمِ...
تُمْسِكُ بِتَلَابِيبِ الوُعُودِ
الوَعْد تِلْو الوَعْدِ
تَسْأَلُ مِنْ جَدِيدٍ نَفْسَ السُّؤَالِ
........
يَنْهَضُ الحُلْمُ أَعْرَجَ بِلَا مُتَّكَأٍ
يَشْتَهِي البُكَاءَ
يُمَزِّقُهُ طُولُ الأَمَلِ
يَغْفُو مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِ
يُفَتِّشُ عَنْ أُسْطُورَةٍ
مِنْ حِكَايَاتِ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ
فَفِي الحِكَايَا سَلْوَاهُ
وَمَا يَشْتَهِي دُونَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: لَا...
لَمْ تَعُدِ الطِّفْلَةُ تَبْحَثُ عَنْ حَرَارَةِ اللِّقَاءِ
وَلَا عَنْ جَوَابٍ مَرَّ بِالقُرْبِ مِنْ هُنَا...
وَلَا عَنْ عَيْنٍ بِهَا تُرَى
وَلَمْ تَعُدْ تَشْتَكِي حَظَّ القَصِيدَةِ الأُولَى العَنِيدَةِ
لَمْ يَعُدْ لَهَا أَيُّ مَعْنَى
وَضَعَتْهَا كَدُمْيَةٍ لَا تَصْلُحُ لِلَّعِبِ
بِإِحْدَى الرُّفُوفِ المَنْسِيَّةِ.
كُلُّ الفَوَانِيسِ مُنْطَفِئَةٌ
فَمَنْ يُنِيرُ عَتْمَتَهَا؟
الحُلْمُ؟
انْتَفَضَ فَجْأَةً وَقَالَ:
أَيُّهَا الفَانُوسُ مَتَى تَقُولُ لِلظُّلْمَةِ: لَا؟
وَتُشْعِلُ مَا تَبَقَّى مِنَ الأَحْرُفِ المُضَرَّجَةِ بِالأَسَى
وَتَقُولُ الأَحْلَامُ لِعُنُوسَتِهَا:
وَدَاعاً.. وَدَاعاً..
هَا قَدْ حَانَ اللِّقَاءُ.
وفي ختام هذا الإبحار العميق في عوالم الشاعرة المبدعة مسعودة القاسمي، ندرك أن القصيدة عندها ليست مجرد حبر على ورق، بل هي مرآة للذات، ونبض للوطن، وفانوس يتحدى عتمة الوعود بالكلمة الصادقة واللوحة المعبّرة.
تتقدم مجلة "هذا أنا" بخالص الشكر والتقدير لضيفتنا العزيزة على هذا البوح الراقي والوقت الممتع، متمنين لها مزيداً من التألق والإبداع في سماء الأدب العربي، ولتظل كلماتها دائماً جسراً يربط بين الوعي والجمال.
مجلة | هذا أنا This is me
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا