أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 10 مايو 2026

(هل ما زال البؤسُ يصنعُ الإبداع؟)‏ للكاتبه فاديه عريج


‏(هل ما زال البؤسُ يصنعُ الإبداع؟)‏


بقلم / فاديه عريج


‏ ارتبطَ الإبداع الفكري عادةً عبرَ تاريخ الفكر الإنساني، بالمُعاناة والبؤس ‏وظلت صورة المبدع في الذّاكرة الجماعية ذلك الانسان البسيط المهمش ‏الذي يكتب بقلم مُغمس في حبر الفقر والشّقاء؛ لا تُعيقه أهوال الحياة ‏وأعاصيرها، يكتب ولو في بطن الحوت، ولو تحولَ هذا الفقر إلى رجلٍ ‏فهو لا يقتله، ويحسُّ بقلمه أنه سيد نفسه؛ ولا يصرخ إلا في وجه جلادي ‏الكلمة المضيئة، ولا يطمح إلا إلى هامش صغيرٍ للبوح، وإلى مساحة ‏صغيرة للتّعبير، بعيدا عن رقابة السّلطةِ وأعينها، فقط لكي يبصر أحسن ‏وينتقد أكثر.‏



هكذا عودَنا مبدعونا، يحرسون مملكتهم الإبداعية في صمتٍ وامتلاء وسمو ‏وشموخ، يؤمنون أن من ينتج ذهباً صقيلاً من الكلمات لا يحتاج إلى كنوز ‏العالم - فجبران خليل جبران" تساءل يوما (من يبعني فكرا جميلا بقنطار ‏من الذهب؟"- ويصرون على صنع الحياة، ولو من صحارى الألم ‏والتجارب المريرة، فـ " فان كوخ " عضّهُ الفقر لكنه ظل يرسم ‏باستمرار، و " تشايكوفسكي " ظل يلحن و إن أنشبت الفاقة أنيابها ‏بمفاصل حياته، والرُّوائي المغربي" محمد شكري" اشتكى في طفولته من ‏‏" الخبز الحافي" لكن سرعان ما غمسه في مرق المتعة والجمال والإبداع، ‏والقاص المغربي " محمد زفزاف" ضاق مسكنه، لكن عباراته كبرت، و ‏رؤيته اتسعت.‏



لا أظن أن الفقر يمنع انبجاس الرُّوح، قد يشوش على الإبداع، لكنه لا ‏يعيقه كثيرا، ولا يفقده ألقه وبريقه، فما يقلقه أكثر هو ذلك القحط والجفاف ‏الرُّوحي، ونكسة المبدع ستكون أكثر إيلاما إذا اجتمع جفاف الرُّوح وقحط ‏الجيب.‏



لكن هذا لا يعني أن يظل المبدع يكتب تحت معول ومتاريس الفقر ‏والحاجة، فكفاه تلك المعاناة التي يعيشها أثناء عملية الكتابة، وصورة ‏المبدع البئيس المُهمش ربما عليها أن تولي بلا رجعة، وأنا على يقين من ‏أن الإبداع إذا دُللَ ومُنحَ الرِّعاية والاهتمام، لن يفقد حرارته وقوة تأثيره ‏بل سيزداد وهجا وألقا وغنجا وستحفظ كرامته وإبداعيته.‏



‏ فالمبدع بالإضافة إلى حاجته إلى إشباع روحي ووجودي، هو في حاجة ‏كذلك إلى إشباع بيولوجي، في حاجة إلى تأمين ظروف عيشه وإلى توفير ‏الدعم المادي والمعنوي كي يكتبَ باطمئنانٍ وهدوء.‏
بعض المبدعين راقتهم مع الأسف فكرة لعب دور القديس أو المسيح أو ‏الشّمعة التي تحترق لتضيء العالم لاستدرار عطف الآخرين عليهم ‏ولتسليط الضّوء على كتاباتهم.‏



المبدعون الحقيقيون نجحوا بصدق في تطهير أرواحنا من قذارة العالم، ‏فهم لا يبدعون باعتباطية أو عبثية، بل بجدية وصرامة فـ" محمود ‏درويش" كان يصرح دائماً في حواراته بأنه يجد صعوبة في الكتابة بعيدا ‏عن مكتبته، وأنه يخصص لشعره زمنا محددا يشتغل فيه، وأن الشعر ‏بالنسبة له دربة وممارسة ومثابرة لتلميع كلماته ولغته، كي تظل مشرقة ‏على الدوام وليس فقط مجرد إلهام وشيطان أبله.‏



بقلم / فاديه عريج


مجلة "هذا أنا - This is Me"


‏.....................................................................‏

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك لتشجيعنا