أرشيف المدونة الإلكترونية
حوار صحفي خاص مع الكاتبة آلاء بركات
بين ضجيج العالم وصخب الحياة المتسارعة، يبقى "الصمت" هو المساحة الوحيدة التي نعيد فيها اكتشاف أنفسنا. ومن هنا، من قلب الكلمات التي لا تُقال إلا همساً، ومن عمق الأسئلة التي تعيد تشكيل الروح، نلتقي اليوم بكاتبة لم تكتفِ بسرد الحكايات، بل جعلت من الأدب مرآةً تعكس دواخلنا بكل ما فيها من خوف، وأمل، وصدق.
ضيفة "هذا أنا" في هذا العدد، هي الكاتبة السورية الأردنية آلاء بركات. صاحبة رواية «حين ينطق الصمت»، والباحثة الدائمة عن "الإنسان" في نصوصها. آلاء لا تكتب لتقدم أجوبة جاهزة، بل لتربت على كتف القارئ وتخبره بأن أسئلته القلقة هي في الحقيقة جسر مشترك يربطنا جميعاً.
في هذا الحوار، نبحر معها في عوالم الكتابة بوصفها وسيلة للفهم، ونتحدث عن علاقتها الاستثنائية بالورق، وعن مشروعها القادم «في قلبي آية»، وكيف يمكن لنص صادق أن يغير رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.
ضيفة العدد: الكاتبة آلاء بركات
كاتبة روائية سورية/أردنية، تكتب الأدب بوصفه محاولة لفهم الإنسان من الداخل، لا مجرد سرد للحكايات. تميل كتاباتها إلى البعد النفسي والوجداني، وتركز على الصمت، والخوف، والأسئلة التي تغير الإنسان. صدر لها رواية بعنوان «حين ينطق الصمت»، وتعمل حالياً على مشروع روائي وفكري جديد أكثر عمقاً على المستوى النفسي والإنساني.
المجلة: في البداية، ما دافعكِ الأول للكتابة؟
آلاء بركات: أعتقد أن الكتابة بدأت حين شعرت أن هناك أشياء لا يمكن قولها بشكل عادي. كنت أكتب لأفهم ما يحدث داخلي أكثر مما أكتب لأصبح كاتبة، ومع الوقت اكتشفت أن أكثر الأسئلة خصوصية داخل الإنسان هي غالباً أكثر الأشياء المشتركة بين البشر.
المجلة: من هو الداعم الأول لكِ في مسيرتكِ الإبداعية؟
آلاء بركات: هو ذلك الصوت الداخلي الذي كان يعيدني دائماً إلى نفسي كلما شعرت بالضياع. هناك شيء عميق في داخلي دفعني للكتابة والبحث، وعدم الهروب من الأسئلة الصعبة. لم أشعر يوماً أن الكتابة مجرد هواية، بل كانت أقرب إلى محاولة صادقة لفهم الإنسان والحياة، وما يختبئ داخل الروح من خوف ومعنى واحتياج للحقيقة.
المجلة: صدر لكِ رواية «حين ينطق الصمت»..
هل لنا باقتباس منها؟
آلاء بركات: بالطبع.. "الصمت ليس دائماً حكمة؛ أحياناً يكون خيانة ناعمة نرتكبها بحق أنفسنا. هناك صمت يحميك.. وصمت يقتلك. والفارق؟ قرار واحد.. أن تختار ذاتك".
المجلة: علمنا أن لديكِ عملاً ثانياً قيد الإنجاز بعنوان «في قلبي آية»، ما الذي يحمله هذا العمل؟
آلاء بركات: نعم، أعمل حالياً على إنهاء روايتي الثانية «في قلبي آية»،
وهذا اقتباس منها:
"في الليلة الثالثة عشرة من غيابه، رأيت أمي تطوي قميصه ببطء.. قربته إلى وجهها، قالت وهي تحدق في زر بقي مفتوحاً: (ما بخاف من الموت.. بخاف من حياة ما فيها صوته). لم أفكر بالموت، فكرت بشيء آخر: أن أبحث عن الله.. كما تبحث أمي عنه. في الأشياء.. لا في الحياة".
المجلة: بين النشر الورقي والإلكتروني، أيهما ترينه الأفضل والأنسب حالياً؟
آلاء بركات: من وجهة نظري لكل منهما دوره اليوم، لكنني ما زلت أميل للنشر الورقي. هناك علاقة مختلفة تماماً بين الإنسان والكتاب الورقي؛ ملمس الصفحات، والعودة إلى الجمل، ووضع الملاحظات، وحتى طريقة بقاء الكتاب في الذاكرة. أشعر أن الكتاب الورقي لا يقرأ بسرعة فقط، بل يعاش بشكل أعمق. أما الإلكتروني فقد قرب الأدب من الناس وسهل وصوله، لكنه لا يلغي تلك العلاقة الحميمة التي يصنعها الورق.
المجلة: إلامَ تهدف كتابات آلاء بركات؟ وما هو تصنيفها الأدبي المفضل؟
آلاء بركات: تميل كتاباتي إلى الأدب النفسي والوجداني، مع اهتمام بالجانب الإنساني والأسئلة الداخلية التي يعيشها الإنسان بصمت. لا أحب التصنيفات الصارمة لأن النص الحقيقي يتجاوز القوالب أحياناً. أما هدفي، فهو أن أكتب شيئاً يشعر القارئ أنه يشبهه من الداخل؛ لا أحاول تقديم أجوبة جاهزة، بل أحب أن تترك الكتابة مساحة للتأمل، وأن تجعل الإنسان يرى نفسه والعالم بصدق أكبر.
المجلة: هل ترين أن الإبداع يقتصر على عمر معين؟
آلاء بركات: لا أعتقد ذلك أبداً. أحياناً يحتاج الإنسان سنوات طويلة حتى يفهم نفسه والعالم بما يكفي ليكتب بصدق. الإبداع الحقيقي مرتبط بعمق التجربة أكثر من ارتباطه بالعمر، ولهذا ولدت بعض الأعمال العظيمة في مراحل متأخرة من الحياة.
المجلة: هل تشعرين أن الكتابة تأخذ حقها في الوقت الراهن، أم أن حقها مهدور وسط "التدني" الذي لحق ببعض جوانب المجتمع؟
آلاء بركات: لا أشعر أن المشكلة في الناس بقدر ما هي في هذا الإيقاع المتعب الذي نعيشه جميعاً؛ حيث صار كل شيء يمر بسرعة، حتى مشاعر الإنسان نفسها. ومع ذلك، ما زلت أعتقد أن النص الصادق يجد قارئه دائماً، لأن الإنسان في النهاية سيبحث عما يفهمه، لا عما يسليه فقط.
المجلة: ما النجاح الذي تطمحين إليه؟ وهل لطموحك سقف محدد؟
آلاء بركات: لا أفكر بالنجاح كرقم أو شهرة، بقدر ما أفكر بالأثر. أكثر ما أتمناه أن أكتب نصوصاً تبقى حية داخل الناس، لا مجرد كتب تقرأ ثم تنسى. أما السقف، فأعتقد أن الإنسان يتوقف حين يشعر أنه قال كل ما لديه بصدق.. لذا يبقى الطموح مفتوحاً لأن الكتابة رحلة مستمرة.
المجلة: القراءة هي وقود الكتابة.. لمن قرأتِ وكان له الأثر الأكبر في نفسك؟
آلاء بركات: بصراحة، أكثر نص ترك أثراً عميقاً داخلي هو القرآن الكريم؛ ليس فقط على مستوى اللغة، بل في طريقته بمخاطبة الإنسان من الداخل، وطرح الأسئلة، وكشف النفس البشرية بصدق مدهش. أشعر أنه لم يمنحني أجوبة جاهزة، بل غير طريقتي في رؤية نفسي والعالم.
المجلة: أي الكتاب تفضلين: القدامى أم المعاصرين؟
آلاء بركات: لا أتعامل مع الأدب بمنطق "قديم ومعاصر" بقدر ما أهتم بصدق النص نفسه. القيمة الحقيقية ليست في زمن الكاتب، بل في قدرته على كتابة شيء يبقى داخل القارئ بعد انتهاء الصفحة الأخيرة.
المجلة: ما هي خطواتكِ القادمة في عالم الأدب؟
آلاء بركات: أركز حالياً على تطوير مشروعي الأدبي وإنهاء رواية «في قلبي آية». ما يشغلني فعلاً ليس كثرة الأعمال، بل كتابة نصوص صادقة وقادرة على البقاء. أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق، وأطمح دائماً للاقتراب من الصوت الذي أبحث عنه.
المجلة: كلمة أخيرة للشباب لدفعهم نحو القراءة.. وكلمة لمجلتنا.
آلاء بركات: للشباب أقول: لا تتعاملوا مع القراءة كواجب أو للظهور بمظهر المثقف؛ اقرأوا لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة واحدة فقط. القراءة تجعل الإنسان أوسع من خوفه، وأقرب إلى نفسه.
أما لمجلة «هذا أنا»، فأشكركم على هذه المساحة الهادئة والإنسانية التي تمنح الكلمة فرصة لأن تُقال بعيداً عن الضجيج، وأتمنى لكم الاستمرار في دعم الأصوات الصادقة.
في ختام رحلتنا مع الكاتبة آلاء بركات، ندرك أن الأدب الحقيقي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو صوت يتردد في ممرات الروح ليوقظ فينا إنساننا الضائع. تركتنا آلاء مع يقين بأن الكتابة هي محاولة مستمرة للترميم، وأن الصمت حين ينطق، قد يمنحنا الشجاعة لنواجه العالم بصدق أكبر.
كل الشكر لضيفتنا على هذا البوح الراقي، وعلى أمل أن تظل كلماتنا دوماً هي الجسر الذي يجمعنا بأنفسنا وبالآخرين.
مجلة | هذا أنا (This is me)
12مايو 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا