أرشيف المدونة الإلكترونية
حوار خاص | الكاتبة حورية الجمل
"بين فلسفة الموت وتفاصيل الحياة، تنسج الكاتبة حورية الجمل عوالمها الروائية ببراعة متميزة، حيث تجعل من الحرف مرآةً تعكس قضايا الاغتراب والبحث عن السعادة.
في هذا الحوار، نقتحم محرابها الأدبي لنكشف كواليس أعمالها، ونتعرف على تلك الشعرة الفاصلة بين التخطيط المحكم وتمرد الشخصيات على خالقها، في رحلة تبدأ من 'جاد' وتمر بـ 'الموت لا يأخذ الغافلين' وصولاً إلى 'عين البطة'
تعد الكاتبة حورية الجمل واحدة من الأصوات الأدبية التي تسعى لرسم عوالمها الخاصة بدقة، متنقلة بين قضايا النفس والمجتمع.
عن الإلهام والبدايات
المجلة: ما هي "شرارة البداية"؟ هل كان هناك موقف أو فكرة عابرة كانت بمثابة نقطة الانطلاق لمسيرتكِ الإبداعية؟
حورية الجمل: شرارة البداية لم تكن موقفاً بعينه أو فكرة عابرة محددة، بل كان المحرك الأساسي هو شغفي الشديد بالأدب العربي والعالمي، والفنون بشكل عام. هذا الشغف جعلني ألتقط كل ما يدور حولي، سواء كان موقفاً يومياً بسيطاً، أو صورة عابرة، أو لحظة إنسانية، وأحولها إلى وقود يبدأ منه النص. لقد أصبح كل ما يحيط بي مادة صالحة للكتابة.
المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
حورية الجمل: في تقديري، لا توجد قصة ناجحة تبدأ بلا تخطيط. أنا ممن يضعون مخططاً دقيقاً للأحداث قبل الشروع في الكتابة، وأهتم برسم تفاصيل غنية وعميقة لكل شخصية على حدة، لتؤدي دورها بدقة ضمن المسار الذي رسمته للعمل. الارتجال موجود بالتأكيد، لكنه يأتي كتحسينات "داخل" إطار التخطيط المحكم، لا بدونه.
رواية: الموت لا يأخذ الغافلين
"أمرنا الله في كتابه الكريم ألّا نغضب آباءنا، لكنه لم يأمر آباءنا بألّا يظلمونا ويجعلونا نلتزم الصمت حين نراهم يخطئون.. هم يجعلوننا نمارس أفعال الشيطان. بقيتُ أتغافل وأتجاهل، ولم يكن تغافلي غفراناً، بل كان عزاءً لمكانتهم في حياتي."
تمرد الشخصيات وصورة المرأة
المجلة: هل تحمل شخصياتكِ جزءاً من ملامحكِ؟ وأي الشخصيات كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
حورية الجمل: لستُ ممن يسقطون ملامحهم الشخصية مباشرة على الأبطال؛ فأنا أُفضل خلق شخصيات مستقلة بذاتها. ربما أستلهم بعض الصفات من أشخاص حقيقيين، لكن الشخصية التي تمردت عليّ حقاً كانت "سعيد" في روايتي الأخيرة (عين البطة)؛ فقد كان يرفض الانصياع للمسارات التي رسمتها له في البداية، وكأنه يفرض وجوده الخاص.
المجلة: كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
حورية الجمل: لقد كُتب عن المرأة كثيراً، لذا سعيت لتقديمها بطريقة تليق بحقيقتها الإنسانية الكاملة. كتبتُ عن قوتها وصبرها، وفي الوقت ذاته عن ضعفها وهشاشتها. أردتُ لنسائي أن يكنّ معقدات ومتعددات الأبعاد كما هي المرأة في الواقع، بعيداً عن المثالية المفرطة أو السلبية المطلقة.
قضايا المجتمع والنقد
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري طرحها في رواية "عين البطة"؟
حورية الجمل: هي قضية "البحث عن السعادة". يعيش الإنسان حياته في مطاردة دؤوبة لسعادة أبدية، محاولاً الطيران بحرية كالطيور، لكنه في الطريق ينسى طبيعته البشرية ويفقد نفسه. كما سلطت الضوء على "الاغتراب"؛ ذلك الشعور الذي يلاحق الإنسان حتى في منزله ومدينته، ليجد نفسه غريباً في عالم لا يشبهه.
المجلة: بعد صدور العمل، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل تتغير نظرتكِ للرواية بعد رؤيتها مطبوعة؟
حورية الجمل: بمجرد صدور العمل، لم يعد ملكاً لي. أتحول من "كاتبة" إلى "قارئة" تقف على نفس المسافة من النص. أتقبل النقد بكل أشكاله وأحترم تنوع الذائقة؛ فالنقد بالنسبة لي هو الوقود الذي يدفعني للتطور في أعمالي القادمة.
رواية: جـاد
"في ظلام الليل الجميع ينعم بالراحة، إلا ذلك اللعين.. عقلي."
رسائل للمبدعين الشباب
المجلة: من هو الداعم الأكبر لحورية الجمل في مسيرتها؟
حورية الجمل: عائلتي أولاً، ثم أصدقائي المقربون، وقلمي الذي لم يخذلني يوماً.
المجلة: ما هي نصيحتكِ للكاتبات الشابات اللواتي يخشين نشر عملهن الأول؟ ولأولئك الذين يملكون الموهبة ولم يجرؤوا على الخطوة الأولى؟
حورية الجمل: أقول لهن: اكتبن بصدق، آمنّ بكلماتكن، ثم "اقتلن الخوف". الخوف هو العدو الأول للإبداع. والنجاح لا يأتي إلا بعد التجربة والمحاولة والفشل أحياناً. لا تدعوا الخوف يأكل إبداعكم؛ ابدأوا، انشروا، واجهوا النقد وتعلموا. الموهبة وحدها لا تكفي، الشجاعة هي ما يصنع المسيرة الحقيقية.
مستقبل الرواية الورقية
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار النشر الإلكتروني؟
حورية الجمل: أبداً، ستظل الرواية الورقية هي الأقرب لقلب القارئ. وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني لا ينافسان الورق، بل يزيدان من بريقه عبر فتح أبواب لجمهور أوسع وإثارة الفضول لاقتناء النسخة الملموسة في النهاية.
رواية: عين البطة
"أبحثُ عن التعاسة بداخل عالم قادر على إنتاج كل أنواع التعاسة من حولي. الآن صرتُ أرى الحياة جنة بالرغم من الكم الهائل من المعاناة.. أظن أن سبب رؤيتي لعالم الفضيلة هذا هو عين البطة (الحاجة فتحية)."
"وفي ختام حوارنا، نجد أن حورية الجمل لا تكتب لتوثيق الأحداث فحسب، بل لتمنح صوتًا لتلك الصراعات الإنسانية الصامتة بداخلنا.
تركتنا كلماتُها أمام دعوة صريحة للشجاعة ونبذ الخوف، مؤكدة أن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تبدأ بصدق وتنتهي بالتحرر.
كل الشكر للكاتبة المبدعة على هذا الإبحار في عالمها، وفي انتظار المزيد من الأثر الذي يتركه قلمها في المكتبة العربية."
مجلة | هذا انا this is me
13 مايو 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا