أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 15 مايو 2026

حوار مع الكاتبة غادة عثمان

مجلة | هذا أنا This is me







​بين فلسفة الحرف وعمق القضايا الإنسانية، تطل علينا الكاتبة غادة عثمان لتأخذنا في رحلة داخل أعمالها "أغداً ألقاك" و"الذين خرجوا عن النص".


نلتقي اليوم في هذا الحوار الممتع مع الكاتبة المتميزة ، لنتحدث عن مجموعتها القصصية الأخيرة "الذين خرجوا عن النص"، وعملها الأول رواية "أغداً ألقاك"، ونبحر في عالمها الأدبي ورؤيتها الخاصة للكتابة والمجتمع.


 نرحب بها اليوم في حوار خاص لنكتشف كواليس إبداعها ورؤيتها للأدب والحياة.


(غادة عثمان)​أهلاً بكم وبكل القراء الأعزاء. سعيدة جداً بهذا اللقاء، وأشكركم على هذه الاستضافة اللطيفة.

 أتمنى أن يكون حواري معكم نافذة صادقة تطلون منها على عالمي الكتابي وما خلف النصوص.


​شرارة البداية والكتابة بين التخطيط والارتجال



​المجلة: ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" الأولى لدخولكِ عالم الكتابة؟


غادة عثمان: لا أتذكر البداية الحقيقية على وجه الدقة، وربما لأن الكتابة لم تدخل حياتي فجأة، بل كانت تنمو داخلي منذ سنوات الدراسة. كل ما أتذكره أنني كنت أدوّن كل شيء باستمرار، وأتوقف طويلًا أمام التفاصيل التي لا ينتبه إليها أحد.




​المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟


​غادة عثمان:
أميل إلى المزج بين الأمرين. أبدأ عادة بفكرة واضحة أو شعور أريد الوصول إليه، وأضع خطوطًا عريضة لمسار الأحداث، لكنني لا أحب أن أقيّد الشخصيات بشكل كامل.

 أثناء الكتابة أترك لها مساحة لتتطور بحرية، لأنني أؤمن أن الشخصية الحقيقية تكشف نفسها تدريجيًا، وأحيانًا تقودني إلى أماكن أو نهايات لم أكن أخطط لها من البداية. 

لهذا أشعر دائمًا أن أجمل اللحظات في الكتابة هي تلك التي تفاجئني أنا شخصيًا قبل القارئ.




 رواية "أغدًا ألقاك" (العمل الأول)






​"كل شيءٍ يدور حول المركز، تدور الكواكب حول الشمس وتدور حول نفسها ليتوازن الكون، إلا أنا أدور حولك ولا ألقاك ليعود إلَيَّ اتزاني؛ فأدور حول نفسي بحثًا عنك."




​مرايا الذات وتمرد الشخصيات


​المجلة: أي شخصية في أعمالكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية؟ وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟



​غادة عثمان:
أعتقد أن كل شخصية أكتبها تحمل جزءًا مني، حتى لو كان هذا الجزء مجرد شعور أو طريقة في رؤية العالم. الشخصيات القريبة مني غالبًا ما تكون حساسة تجاه التفاصيل وتحمل صراعًا داخليًا يشبهني إلى حد ما.


​أما أكثر الشخصيات تمردًا عليّ، فكانت تلك التي تشبهني في الظاهر لكنها تتصرف بعكس ما كنت سأفعله تمامًا. شخصيات أكثر جرأة، وأكثر اندفاعًا، تقول ما أخشاه أنا، وتتخذ قرارات لا أملك شجاعتها في الواقع. 


ربما لهذا كانت كتابتها مرهقة وممتعة في الوقت نفسه، لأنها جعلتني أواجه أجزاء خفية من نفسي لم أنتبه لها من قبل.




​الغوص في قضايا المجتمع والمرأة


​المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في مجموعتكِ القصصية؟



​غادة عثمان:
لم يكن هدفي طرح قضية واحدة فقط، لأن العمل في الأساس مجموعة قصصية فلسفية تحاول الاقتراب من الإنسان من الداخل، لذلك تناولت أكثر من قضية مجتمعية تمس حياتنا اليومية بشكل مباشر، مثل إهمال الزوجة، والقسوة على الأبناء، وكيف يمكن للأذى النفسي داخل الأسرة أن يخلق مع الوقت جيلًا ممتلئًا بالغضب أو العقوق أو الفراغ العاطفي.



​لكنني لم أرغب في تقديم هذه القضايا بشكل مباشر أو وعظي، بل حاولت الاقتراب منها بطريقة رمزية وإنسانية تترك للقارئ مساحة للتأمل واكتشاف المعنى بنفسه. 


أحب دائمًا أن يشعر القارئ أن النص يشبه مرآة يرى فيها شيئًا من حياته أو من الأشخاص الذين مروا بها، حتى لو كان ذلك بشكل غامض أو غير معلن بالكامل.




المجلة: كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟



​غادة عثمان:
كنت حريصة أثناء الكتابة على تقديم المرأة كإنسان كامل، لا كصورة نمطية ثابتة. لذلك حاولت أن أكتب شخصيات نسائية تحمل تناقضاتها وضعفها وقوتها وخوفها ورغباتها الحقيقية، بعيدًا عن فكرة المرأة المثالية أو الضحية المطلقة التي اعتاد الأدب أحيانًا على تقديمها.




​مواجهة النقد وتجاوز "انحباس الكتابة"



​المجلة: بعد صدور الرواية ونشرها، كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟



​غادة عثمان:
بعد صدور أول أعمالي، رواية «أغداً ألقاك»، واجهت ردود فعل مختلفة بين الإعجاب الكبير والنقد القاسي أحيانًا، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي لأي كاتب يضع جزءًا من روحه داخل نصه ويقدمه للناس.


​أنا أتعامل مع النقد البنّاء بجدية شديدة، لأنني أؤمن أن الكاتب الحقيقي يجب أن يتطور باستمرار. كنت أراجع كل ملاحظة على حدة، وأحاول فهمها والعمل عليها فعلًا، وهذا ساعدني كثيرًا في تطوير أدواتي وتجنب بعض الأخطاء في الأعمال التالية.


​أما النقد غير البنّاء، فأتعامل معه بالتجاهل، لأنني أرى أن هناك فرقًا كبيرًا بين نقد هدفه التطوير، وآخر هدفه التقليل فقط. وفي النهاية، بمجرد أن أرى العمل مطبوعًا أشعر أنه لم يعد ملكي بالكامل، بل أصبح تجربة خاصة بكل قارئ يراه بطريقته المختلفة.




​المجلة: كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة" (ماتعرف بـ
Writer's Block)، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟


​غادة عثمان:
حين أمرّ بحالة من انحباس الكتابة، أترك نفسي للحياة بكل ما فيها من انشغال وصمت ومشاعر. 

أؤمن أن الكتابة الحقيقية لا تأتي بالقوة، لأن النص الذي يُكتب تحت الضغط يكون خاليًا من الروح مهما كانت لغته جيدة.

​في النهاية، الكتابة تفرض نفسها دائمًا. بعد فترة من الصمت، يكفي موقف عابر أو شعور صادق حتى تعود الكلمات وحدها، وكأنها كانت تنضج داخلي طوال الوقت.
​صناعة الدعم ومستقبل الكتاب الورقي




​المجلة: مَن هو أكبر داعم لكِ في مسيرتكِ الأدبية؟


​غادة عثمان:
أكبر داعم لي هم أهلي وأصدقائي، لأنهم آمنوا بموهبتي منذ البداية وشجعوني في لحظات كثيرة كنت أشعر فيها بالخوف أو التردد. 

وجود أشخاص يؤمنون بما تكتبه ويمنحونك هذا القدر من الدعم الحقيقي يصنع فرقًا كبيرًا في رحلة أي كاتب، خاصة في البدايات.



​المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟


غادة عثمان: لا أعتقد أن الرواية الورقية فقدت بريقها، فرغم انتشار وسائل التواصل والنشر الإلكتروني، ما زال للكتاب الورقي سحره الخاص وعلاقته المختلفة بالقارئ. 

لكن بالتأكيد تغيّرت طريقة وصول الأدب للناس وأصبح العالم أسرع.

​وفي المقابل، ساعد النشر الإلكتروني ووسائل التواصل كثيرًا في ظهور أصوات وكتّاب جدد؛ لذلك أرى أن الوسائل تغيّرت، لكن قيمة النص الجيد تظل كما هي.




​رسالة إلى المبدعين الشباب


​المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية ولكنهم لم يجرؤوا حتى الآن على اتخاذ خطوة النشر خوفاً من البداية.. ماذا تقولين لهم؟ وما هي نصيحتكِ لكل كاتبة شابة؟


​غادة عثمان:
الخوف من نشر العمل الأول شعور يمر به كل كاتب حقيقي، لأن الكتابة ليست مجرد كلمات، بل جزء من روح الإنسان يُعرض أمام الآخرين.


 لكنني أؤمن أن النص لن يكتمل أبدًا إذا ظل حبيس الخوف والتردد.



​رسالتي لهم هي: خذوا الخطوة وابدؤوا. لا تنتظروا اللحظة المثالية أو النص الكامل، فكل كاتب يبدأ وهو يحمل بداخله الشك والتردد. لا تنتظروا الكمال، لأن الكاتب يتطور بالكتابة والتجربة والنقد، وليس بالاختباء. ربما لن يكون العمل الأول مثاليًا، لكنّه سيكون البداية والخطوة التي تصنع كل ما بعدها. والأهم أن يكتب الإنسان بصوته الحقيقي، لا بالصوت الذي يعتقد أن الناس تريد سماعه، لأن أكثر الأعمال صدقًا هي تلك التي تخرج من الداخل دون تزييف؛ فالنص الصادق دائمًا يجد طريقه إلى القلوب.



 المجموعة القصصية "الذين خرجوا عن النص" (قصة "منحوتة الزمن")






​«قبض على إزميله ونحت تمثالًا مختلفًا هذه المرة، صنعه من الزمن ذاته، شكَّله من لحظاتٍ مسروقة، من أنفاسٍ بائدة تمنت العودة ولو ليومٍ واحد، ومن ذكرياتٍ لم يُكتب لها الاستمرار. نحت وجهًا يتوارى خلف ابتسامةِ العارفِ بالأسرار، وأودع في عينيه غموضًا يشبه الأزل، نفخ فيه وحين انتهى، رأى قلبَ منحوتته ينبض.»



​إلى هنا نصل لختام حوارنا الممتع مع الكاتبة المتميزة
غادة عثمان، التي أثرت لقاءنا بصدق كلماتها وعمق رؤيتها الأدبية.



 نشكرها على هذا الوقت الشيق، ونتمنى لها مزيداً من الإبداع والنجاح في مسيرتها الروائية.




(غادة عثمان) الشكر موصول لكم وللقراء الأفاضل على طيب المتابعة. 

كانت فرصة رائعة لمشاركة شجون الحرف معكم، وأتمنى أن تظل كتاباتي دائماً جسراً صادقاً يربطني بقلوبكم وعقولكم. 

دمتم بقارئية وشغف.



مجلة | هذا أنا This is me


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك لتشجيعنا