أرشيف المدونة الإلكترونية
حوار مع الكاتبة شريهان علي داود
بين طيات التاريخ المنسي وأروقة الخيال الجامح، تأخذنا الكاتبة المتألقة شريهان علي داود في رحلة أدبية فريدة؛ رحلة لا تكتفي بسرد الحكايا، بل تسعى لترميم الهوية وحفظ الذاكرة من التشويه.
عبر صفحات روايتها التاريخية "العالق باليم"، تُبحر بنا في أعماق النفس البشرية وصراعات البقاء تحت وطأة الاحتلال، بينما تفتح لنا في "قناص الأمل" نافذة على عالم الفانتازيا حيث تنصهر الواقعية بالخيال لتُولد شخصيات ترفض الخضوع وتتمرد على النمطية.
في هذا الحوار الخاص لمجلة "هذا أنا - This is Me"، نغوص مع ضيفتنا في كواليس الكتابة، ونبحث عن "الشرارة" الأولى التي أشعلت قلمها، ونتعرف على فلسفتها في بناء الشخصيات النسائية ورؤيتها لمستقبل الرواية الورقية في زمن التحولات الرقمية.
الضيفة: الكاتبة شريهان علي داود.
الأعمال الأدبية:
العالق باليم: رواية تاريخية.
قناص الأمل: رواية فانتازيا.
المجلة: شرارة البداية؛ ما هو الموقف أو الفكرة العابرة التي كانت بمثابة "الشرارة" لكتابة أعمالك؟
شريهان: كانت البداية مع أحداث الهجوم على فلسطين في عام 2024، ومحاولة الاحتلال مسح فلسطين من الخريطة وتشويه التاريخ. رأيت أن من واجب أي كاتب أن يحكي التاريخ حتى لا يندثر أو يتشوه قبل أن يصل للأجيال القادمة.
المجلة: بين التخطيط والارتجال؛ هل تضعين مخططاً دقيقاً للأحداث قبل البدء، أم تتركين الشخصيات تقودكِ إلى نهاياتها؟
شريهان: أضع مخططاً عاماً للقصة وكيفية سير الأحداث من البداية للنهاية، ولكن الارتجال قد ينقل الأحداث أثناء الكتابة إلى موقع أفضل مما خططت له مسبقاً.
من رواية: العالق باليم
"عندما لفحتني الرياح الباردة وقد تكورت كالجنين على سطح زورقي، أستجلب النوم لجفوني المتعبة، تذكرت أن الصقيع الذي كاد يسقط أطرافي هو أهون من الندوب التي تملأ جسدي من سهام نظراتهم التي تفككني لقطع صغيرة وتبعثرني ألف مرة كل يوم... حتى تأتي حوريتي بنظرة حانية تلملم أشلائي وتنقذني."
المجلة: أي شخصية في روايتكِ تحمل جزءاً من ملامحكِ الشخصية، وأيها كانت الأكثر تمرداً عليكِ؟
شريهان: أنا لا أكتب شخصيات تشبهني، بل أكتب لأخرج عن المألوف وعن إطار شخصيتي وما اعتدت عليه في محيطي.
المجلة: ما هي القضية المجتمعية التي كان من الضروري بالنسبة لكِ طرحها في أعمالك؟
شريهان: في عملي الأول (العالق باليم): كانت القضية هي حياة المصريين البسطاء في ظل الحملة الفرنسية على مصر، والتخبط الذي عانى منه الشعب جراء الاستسلام للاحتلالات التي كانت تتنازع على مصر (المماليك، العثمانيون، والفرنسيون). كل منهم يحاول استمالة الشعب، فكيف يعرف صياد بسيط الطريق الصحيح؟ وكيف يحيا وسط هذه الأجواء مع معاناته الشخصية من ضيق الحال ومحاولته الزواج من فتاة أحلامه؟
في العمل الثاني (قناص الأمل): هي قصة شاب يحاول أن يعيش وفق أهواء من حوله في منزله وعمله. كل ما يطمح إليه هو نيل القبول من محيطه، ولكن يستمر المجتمع في استغلاله والتنمر عليه، حتى ينتقل بطريقة سحرية إلى عالم آخر تتغير فيه شخصيته وتصبح أقوى؛ تفرض هي القوانين ولا تسعى لإرضاء أحد.
المجلة: ما بعد النشر؛ كيف تتعاملين مع النقد، وهل يتغير منظوركِ لعملكِ بعد رؤيته مطبوعاً؟
شريهان: بالتأكيد، عند النظر للعمل في نسخته الأخيرة أعيد النظر في الكثير من المواقف التي أرغب في إضافتها. أتأثر بالنقد بالتأكيد وأفكر فيه، فإن كان بناءً فإنه يدفعني للتحسين في الأعمال القادمة.
المجلة: صورة المرأة؛ كيف عملتِ على بناء شخصيات نسائية تكسر القوالب النمطية السائدة في الأدب؟
شريهان: لقد تناولت المرأة بأكثر من صورة في الروايتين؛ الأم المتسلطة التي هي في ذات الوقت ضعيفة من الداخل وتستخدم هذه القوة الزائفة كدرع لحماية عائلتها، كما تناولت المرأة المريضة نفسياً التي تسعى للاهتمام لتعويض ما عانته من نقص في طفولتها، والمرأة المضحية في سبيل حبها حتى الموت.
المجلة: رسالة للمبدعين؛ ما هي النصيحة التي تودين توجيهها لكل كاتبة شابة تخشى نشر عملها الأول؟
شريهان: يجب عليها الدراسة وسؤال الأقدم في مجال الكتابة، والقراءة بالطبع هي المفتاح الأول للعمل الجيد. وبعد أن تتحقق العناصر الأساسية، يجب أن تتحلى بالثقة في قلمها والجرأة؛ فبدون الجرأة لن تستطيع أبداً معرفة إن كان قد قُدّر لها أن تصبح كاتبة أم أنها هواية لم تكتمل بعد.
من رواية: قناص الأمل
"رغم كرهي له، أردت الاحتفاظ بهذا الدفتر الذي يحتوي على كلماته الأخيرة. أفتحه كل يوم وأتخيل: ماذا كان سيقول لي في هذا الموقف؟ ماذا كان سيفعل مع والدته؟ هل سيتركها تعيث في الأرض فساداً، أم يضعها في مصح وينهي معاناتي أنا وأمي؟"
المجلة: تجاوز العقبات؛ كيف تتعاملين مع لحظات "انحباس الكتابة"، وما هو طقسكِ الخاص لاستعادة الإلهام؟
شريهان: الإلهام يأتي بالقراءة، وإن كان في مواضيع مختلفة عن موضوع مشروع الرواية الذي أعمل عليه. وبالطبع الكتابة تحتاج لمكان هادئ بعيداً عن التشتت.
المجلة: من هو أكبر داعم لكِ؟
شريهان: أسرتي وبعض أصدقائي.
المجلة: هناك شباب يملكون الموهبة الحقيقية في كتابة القصة والرواية ولكنهم لم يجرؤوا حتى الآن على اتخاذ هذه الخطوة، ماذا تقولين لهم؟
شريهان: يجب أن يؤمنوا بموهبتهم، فلا يوجد عمل كامل، وكل يوم يمر سيثقلنا بخبرات جديدة تجعل مواهبنا تتطور للأفضل، ولكن الخطوة الأولى هي التي تفتح الطريق. وكما يقول نورمان فينسنت: "إذا أجلت كل شيء إلى أن تتأكد منه، فلن تنجز أي شيء".
المجلة: هل فقدت الرواية الورقية بريقها في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني؟
شريهان: لا أعتقد أن الرواية الورقية فقدت بريقها؛ لأن عاشق الأدب الحقيقي يبحث عن علاقة دائمة بكتابه، يحتفظ به في مكتبته ليقرأه أكثر من مرة، وفي كل مرة يشعر بمشاعر جديدة وسعادة مختلفة.
في ختام لقائنا مع الكاتبة شريهان علي داود، ندرك أن الأدب ليس مجرد كلمات تُسطر، بل هو رسالة وموقف؛ موقفٌ يحمي التاريخ من النسيان، وقلمٌ يمنح الأمل لمن ضل الطريق في عوالم الواقع أو الخيال. لقد أخذتنا "شريهان" في رحلة بين أمواج التاريخ وعوالم الفانتازيا، مؤكدةً أن الخطوة الأولى نحو الإبداع تبدأ دوماً بالإيمان بالذات والتحلي بالجرأة.
نتقدم بخالص الشكر لضيفتنا على هذا الحوار الممتع والشفاف، ونتطلع بشوق لمتابعة المزيد من أعمالها التي تثري المكتبة العربية وتمنح القراء تجارب إنسانية لا تُنسى.
كان معكم فريق تحرير مجلة "هذا أنا - This is Me".. وإلى لقاء متجدد مع مبدع آخر يضيء سماء الأدب.
13 مايو2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليقك لتشجيعنا